تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد ( ص ) في مكة — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
وات ببعض ما قاله المستشرق لا مانس من أن بدو الصحراء كانوا ينظرون لأموال شيخ القبيلة باعتبارها عزا لهم ، وأنهم يعتبرونه مستودعا للأموال أمينا عليها
depositaire
وأن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم قد أعاد شيئا من هذا المفهوم . كما أعاد فضيلة الكرم إلى معناها الأصلي بعد تفريغها من الزيف والتفاخر . وما كان التحالف المالى والعشائرى ليترك محمدا صلّى اللّه عليه وسلم ومن آمنوا برسالته ، وهذا يوضح قضية في الغاية من الأهمية وهو أن عدد المؤمنين برسالة محمد صلّى اللّه عليه وسلم طوال الحقبة الملكية كان قليلا ، وهنا يضيف ( وات ) بعدا جديدا للهجرة إلى الحبشة ، وهي خوف محمد صلّى اللّه عليه وسلم على أصحابه من الردة ، ففي وسط هذه الشبكة المالية العشائرية المعقدة تظهر الأنياب ( الزرق ) والذبح بفتائل الحرير ، والتامر والمكائد والاغراء بالمال . . وكانت قريش بارعة في ذلك كله ، إذ كانت تحارب غالبا بغير أفرادها ، وتحرض وهي بعيدة ، تماما كما يفعل التاجر الثرى الذي - في الغالب الأعم - لا يرتكب جريمة بنفسه ، ولا يمارس فعلا مخالفا للقانون ، الا من وراء ستار وبأيدي الآخرين ، لكنه قابع دائما وراء الستار . في هذا الجو خشي محمد صلّى اللّه عليه وسلم - وفقا لتحليلات وات - من ردة هذه القلة القليلة التي اتبعته في المرحلة المكية ، فكانت هذه احدى أسباب دعوته لبعض أصحابه للهجرة إلى الحبشة ، بالإضافة لدوافع أخرى . انها أفكار وات قد نأخذ بها أو لا نأخذ ؛ لكنها جديرة بالتأمل .

« كل التاريخ تاريخ حديث »

عند قراءتي لكتب ( وات ) ، أتذكر على الفور قول الباحث الايطالى الشهير بنديتو كروتشه
Croce
( 1866 - 1952 ) - الذي كتب عدة مباحث في فلسفة التاريخ - « كل التاريخ تاريخ حديث » وهو يعنى أن عزل الظاهرة التاريخية في زمانها ، يقطع الطريق على فهمها ، ولعل طريقة تناول وات لبعض الظواهر الاجتماعية عند تاريخه لأحوال مكة
محمد ( ص ) في مكة — صفحة 36 | مونتجمرى وات / عبد الرحمن عبد الله شيخ حسين عيسى