تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تعليقة على معالم الأصول — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
شرح
لنسبة الحدث إلى الفاعل من حيث كونه مطلوباً في نفسه مع مطلوبيّة المبادرة إلى إيجاده برأسه ، وهذا هو الظاهر من الأوامر عرفاً حيثما يراد منها الفور . ألا ترى أنّك إذا أمرت بالسقي ونحوه ممّا جرت العادة بإرادة الفور فيه فأنت قاصد للإتيان به والتعجيل في إتيانه ، بحيث لولا أنّه عجّل فيه لما كنت مُعرضاً عنه فاسخاً لطلبك إيّاه ، وهو آية كون الفور مطلوباً آخر غير مأخوذ قيداً لما هو المطلوب الأصلي ، فبناءً على ذلك لا يفرق بين كون دليل الفور نفس الصيغة أو أمر خارج عنها كالآيتين ونحوهما ، فإنّ الأمر الخارج لا يخلو كاشفاً إمّا عن الوضع أو عن الإرادة ، فإذا كان اعتبار الفور في الأمر لا بعنوان القيديّة للطلب أو المطلوب لا يتفاوت الحال بين كونه مدلولا عليه بالصيغة أو بالخارج ، بل ولو كان اعتباره بهذا العنوان أيضاً لا يتفاوت الحال بين الوجهين . فمن هنا ينقدح ضعف ما تقدّم من التفصيل في المقام بنحو ما مرّ ، فلا وجه لما احتجّ به بعض الأعاظم على الطرف الأوّل من التفصيل بأنّ الظاهر من الأمر لو استعمل في الفور التقييد بأوّل الوقت فبرفع القيد يرتفع الحكم ، وعلى الطرف الثاني من أنّ الأمر اقتضى كون المأمور فاعلا على الإطلاق وإيجاب المسارعة والاستباق لم يصيّره موقّتاً وإنّما اقتضى وجوب المبادرة ، فحيث يعصى بمخالفته يبقى مفاد الأوّل بحاله ، فإنّ ظهور الاستعمال في الفور في التقييد ممّا يكذّبه طريقة العرف في الأوامر الّتي يراد منها الفور كما عرفت في المثال . فإنّ قضيّة ذلك عدم كون السقي بعد فوات زمان الفور مطلوباً للآمر وهو خلاف البديهة ، ولو سلّم فأيّ وجه دعا إلى الفرق بينه وبين ما لو ثبت الفور من الخارج ، فإنّ ما اقتضاه الأمر من الإطلاق إنّما كان ابتدائيّاً ولا عبرة به لكون الدليل بعد قيامه ممّا كشف عن انتفاء الإطلاق في الواقع ، وتقيّد الطلب أو المطلوب بزمان الفور في إرادة المتكلّم نظير القرائن المنفصلة الموجبة لتقييد المطلقات الظاهرة بدونها في الإطلاق ، كما لو قال : " أعتق رقبة " ثمّ قال - بعد فاصلة زمان - : " أعتق رقبة مؤمنة " أو " لا تعتق كافراً " . وأعجب من ذلك ما أفاده بعض الأجلّة في الاستدلال على ما اختاره من القول الثاني المصرّح بعدم الفرق في ذلك بين كون دليل الفوريّة هو الآيتان أو غيرهما ، من أنّ الأمر حينئذ يصير من قبيل الموقّت ولا فرق في الموقت بين أن يستفاد الوقت من نفس الخطاب أو من دليل خارج ، فإنّ قوله تعالى : ( أقيموا الصلاة ) ( 1 ) مطلق وقتها يستفاد من خطاب آخر ،
هامش
( 1 ) الأنعام : 72 .