ولا بأس بذكر الاستدلال الذي هو كالأصل لغيره مما ذكره الأفاضل من الاستدلالات وهو ما ذكره أبو الحسن البصري ( 1 ) ، وهو أنه لو لم يجب المقدمة لجاز تركها ، وحينئذ ، فإن بقي الواجب على وجوبه يلزم التكليف بما لا يطاق ، وإلا خرج الواجب المطلق عن وجوبه ( 2 ) .
شرح
( 1 ) حاصله : انه قد ورد في الشرع أوامر بالمقدمة وهي مولوية لأن الظاهر من الامر هو المولوية لأنه صادر من مولى الموالي إلى عبيده ، فان الفارق - كما مر - بين الأمر المولوي والامر الارشادي هو ان الامر الصادر من المولى بما هو مولى إلى عبده امر مولوي والصادر منه بما انه مرشد لا مولى هو أمر ارشادي . وفي العرفيات أيضا الأوامر الغيرية المولوية متحققة ، وحكم الأمثال واحد .
ولا اشكال ان مناط هذه الأوامر الغيرية هو المقدمية فلازم ذلك ان يكون المناط في كل مقدمة للأمر الغيري موجوداً وان لم يلتفت الآمر اليه ، والى ما قلنا أشار بقوله : ( ( لا يكاد يتعلق بمقدمة امر غيري . . . ) ) إلى آخره ، والى ان حكم الأمثال واحد بقوله : ( ( وإذا كان فيها كان في مثلها ) ) وكان الأولى ان يقتصر على التأييد لأن كون الظاهر من الأوامر الغيرية هي المولوية محل تأمل ، إذ الامر وان كان ظاهره المولوية الا انه فيما إذا لم تقم قرينة على غيره ، وفي المقام يمكن ان يدعي ان ارشاد العقل إلى لزوم الاتيان بالمقدمة قرينة على أن الأوامر الغيرية ارشادية لا مولوية .
( 2 ) لا يخفى ان ظاهر ما استدل به أبو الحسن البصري على وجوب المقدمة : هو انه لو لم تجب المقدمة لجاز تركها ، والظاهر من الجواز هو الإباحة الشرعية ، وحينئذ فإن بقي الواجب على وجوبه لزم التكليف بما لا يطاق ، وإلاّ خرج الواجب المطلق عن كونه واجبا ، والظاهر من المضاف اليه الظرف - وهو حين - هو الإباحة الشرعية ، فيكون حاصل الاستدلال : انه لو لم تجب المقدمة لكانت مباحة شرعا ، وحين اباحتها شرعا فإن بقي الواجب واجبا مع كون مقدمته مباحة شرعا يلزم التكليف بما لا يطاق ، وان لم يبق واجبا لزم الخلف ، لأن المفروض كونه واجبا .