على أن اقتناص الحكمة يتوقف على التذكر ، وأن التذكر يتوقف على العقل ، فلا حكمة لمن لا عقل له . وقد مر بعض الكلام في العقل عند البحث عن ألفاظ الإدراك المستعملة في القرآن الكريم .
قوله تعالى :
وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ
، أي ما دعاكم اللّه سبحانه اليه أو دعوتم أنفسكم اليه بإيجابه عليها بالنذر من بذل المال فلا يخفى على اللّه يثيب من أطاعه ويؤاخذ من ظلم ، ففيه إيماء إلى التهديد ، ويؤكده قوله تعالى :
وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ
.
وفي هذه الجملة أعني قوله :
وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ
، دلالة أولا : على أن المراد بالظلم هو الظلم على الفقراء والمساكين في الإمساك عن الانفاق عليهم ، وحبس حقوقهم المالية ، لا الظلم بمعنى مطلق المعصية فإن في مطلق المعصية أنصارا ومكفرات وشفعاء كالتوبة ، والاجتناب عن الكبائر ، وشفعاء يوم القيامة إذا كان من حقوق اللّه تعالى ، قال تعالى :
لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً
إلى أن قال :
وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ
( الزمر / 54 ) ، وقال تعالى :
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ
( النساء / 31 ) ، وقال تعالى :
وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى
( الأنبياء / 28 ) .
ومن هنا يظهر : وجه اتيان الأنصار بصيغة الجمع فإن في مورد مطلق الظلم أنصارا .
وثانيا : أن هذا الظلم وهو ترك الإنفاق لا يقبل التكفير ولو كان من الصغائر لقبله فهو من الكبائر ، وأنه لا يقبل التوبة ، ويتأيد بذلك ما وردت به الروايات : أن التوبة في حقوق الناس غير مقبولة إلا برد الحق إلى مستحقه ، وأنه لا يقبل الشفاعة يوم القيامة كما يدل عليه قوله تعالى :
إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ
إلى أن قال :
فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ
( المدثر / 48 ) .