على التقشّف وأخذت أموالهم هل كانت نفس أبغض إليهم من نفسي ، أو حياة أثقل عليهم من حياتي ؟
فأطرق صالح مفكرا ، ثم رفع رأسه وقال : يا أمير المؤمنين ، إنّه ليقع في خلدي أنّك قبلت قولي قبول تحقيق لا قبول سمعة ورياء . فقال المهديّ : اللَّه شهيد على ذلك . فقام صالح فدنا من المهديّ ، فقبّل رأسه وقال : أعانك اللَّه يا أمير المؤمنين على صالح نيّتك ، وأعطاك أفضل ما تأمله في رعيّتك ، ووهب لك أعوانا بررة صالحين يعملون بما يجب عليهم فيك ، ثم خرج .
« 512 » - لمّا أبعد أبو الفتح بن العميد أبا القاسم بن عباد الصاحب عن خدمة مؤيّد الدولة بن ركن الدولة بن بويه ، وتولَّى الأمور ، تداخله في بعض الليالي عجب وسرور بما هو فيه ، فاستدعى ندماءه وهيّء له مجلس عظيم بآلات الذهب والفضّة وفاخر البلَّور والمخروط الصيني والطَّيب والفواكه ، وحضر المغنّون والملهون فشرب آخر يومه وأكثر ليلته ، وعمل شعرا أنشده ندماءه وألقاه على المغنّين حتى غنّوا فيه ، وهو : [ من المتقارب ]
دعوت المنى ودعوت الغنى [ 1 ]
فلما أجابا دعوت القدح
وقلت لأيّام شرخ الشباب
إليّ فهذا أوان المرح
إذا المرء أدرك آماله
فليس له بعدها مقترح
فغنّي بالشعر واستطابه ، وشرب عليه إلى أن سكر ، ثم قال لغلمانه : غطَّوا المجلس ولا تنقضوا شيئا منه لأصطبح عليه في غد . وقال لندمائه : باكروني ولا تتأخّروا ، وقام إلى بيت منامه . ووافق ذلك استدعاء مؤيّد الدولة إيّاه في السّحر ، فلم يشكّ أنّه لمهمّ من خدمته ، فبادر ، فلما دخل دار الأمير قبض عليه ، وأنفذ
شرح
[ 1 ] معجم الأدباء : العلا .
هامش
« 512 » معجم الأدباء ( عباس ) 2 : 694 .