أن هذه الألفاظ إنما تجئ مراعى بها الزمان وذلك أن الحدث ( 1 ) المقدم الموجود هو الامام ،
والذي يأتي بعده هو الوراء وهو ما خلف ، وذلك بخلاف ما يظهر بادي الرأي ، وتأمل هذه
الألفاظ في مواضعها حيث وردت تجدها تطرد ، فهذه الآية معناها : إن هؤلاء وعملهم
وسعيهم يأتي بعده في الزمان غصب هذا الملك ، ومن قرأ " أمامهم " أراد في المكان ، أي
كأنهم يسيرون إلى بلد ، وقوله عليه الصلاة والسلام : ( الصلاة أمامك ) ( 2 ) يريد في المكان ،
وإلا فكونهم في ذلك الوقت كان أمام الصلاة في الزمان ، وتأمل هذه المقالة فإنها مريحة من
شغب هذه الألفاظ ، ووقع لقتادة في كتاب الطبري " وكان وراءهم ملك " قال قتادة :
أمامهم ألا تراه يقول : من " ورائهم جهنم " ( 3 ) وهي بين أيديهم ، وهذا القول غير مستقيم ،
وهذه هي العجمة التي كان الحسن بن أبي الحسن يضج منها ، قاله الزجاج .
قلت : وما اختاره هذا الامام قد سبقه إليه في ذلك ابن عرفة ، قال الهروي قال ابن
عرفة : يقول القائل كيف قال " من ورائه " وهي أمامه ؟ فزعم أبو عبيد وأبو علي قطرب
أن هذا من الأضداد ، وأن وراء في معنى قدام ، وهذا غير محصل ، لان أمام ضد وراء ،
وإنما يصلح هذا [ في الأماكن ] ( 4 ) والأوقات ، كقولك للرجل إذا وعد وعدا في رجب
لرمضان ثم قال : ومن ورائك شعبان لجاز وإن كان أمامه ، لأنه يخلفه إلى وقت وعده ،
وأشار إلى هذا القول أيضا القشيري وقال : إنما يقال هذا في الأوقات ، ولا يقال للرجل
أمامك إنه وراءك ، قال الفراء : وجوزه غيره ، والقوم ما كانوا عالمين بخبر الملك ، فأخبر الله تعالى
الخضر حتى عيب السفينة ، وذكره الزجاج . وقال الماوردي : اختلف أهل العربية في استعمال
وراء موضع أمام على ثلاثة أقوال : أحدها - يجوز استعمالها بكل حال وفي كل مكان وهو
من الأضداد قال الله تعالى : " من ورائهم جهنم " [ الجاثية : 10 ] أي من أمامهم : وقال الشاعر : ( 5 )
أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي * وقومي تميم والفلاة ورائيا
هامش
( 1 ) في ج وك وى : الحادث المقدم الوجود .
( 2 ) الحديث في الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة .
( 3 ) راجع ج 16 ص 159 .
( 4 ) من ج وك وى .
( 5 ) هو سوار بن المضرب .