تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
* ( إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً ) * تقرير لتصميمهم على الكفر والطبع على قلوبهم بحيث لا تغني عنهم الآيات والنذر ، بتمثيلهم بالذين غلت أعناقهم . * ( فَهِيَ إِلَى الأَذْقانِ ) * فالأغلال ، واصلة إلى أذقانهم فلا تخليهم يطأطئون رؤوسهم له . * ( فَهُمْ مُقْمَحُونَ ) * رافعون رؤوسهم غاضون أبصارهم في أنهم لا يلتفتون لفت الحق ولا يعطفون أعناقهم نحوه ولا يطأطئون رؤوسهم له . * ( وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ) * وبمن أحاط بهم سدان فغطى أبصارهم بحيث لا يبصرون قدامهم ووراءهم في أنهم محبوسون في مطمورة الجهالة ممنوعون عن النظر في الآيات والدلائل . وقرأ حمزة والكسائي وحفص سدا بالفتح وهو لغة فيه ، وقيل ما كان بفعل الناس فبالفتح وما كان بخلق اللَّه فبالضم . وقرئ « فأعشيناهم » من العشاء . وقيل الآيتان في بني مخزوم حلف أبو جهل أن يرضخ رأس النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليدمغه ، فلما رفع يده انثنت إلى عنقه ولزق الحجر بيده حتى فكوه عنها بجهد ، فرجع إلى قومه فأخبرهم ، فقال مخزومي آخر : أنا أقتله بهذا الحجر فذهب فأعمى اللَّه بصره .
وسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 10 ) إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْه بِمَغْفِرَةٍ وأَجْرٍ كَرِيمٍ ( 11 ) * ( وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) * سبق في « البقرة » تفسيره . * ( إِنَّما تُنْذِرُ ) * إنذارا يترتب عليه البغية المرومة . * ( مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ ) * أي القرآن بالتأمل فيه والعمل به . * ( وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ ) * وخاف عقابه قبل حلوله ومعاينة أهواله ، أو في سريرته ولا يغتر برحمته فإنه كما هو رحمن ، منتقم قهار . * ( فَبَشِّرْه بِمَغْفِرَةٍ وأَجْرٍ كَرِيمٍ ) * .
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ وكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناه فِي إِمامٍ مُبِينٍ ( 12 ) * ( إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى ) * الأموات بالبعث أو الجهال بالهداية . * ( ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا ) * ما أسلفوا من الأعمال الصالحة والطالحة . * ( وآثارَهُمْ ) * الحسنة كعلم علموه وحبيس وقفوه ، والسيئة كإشاعة باطل وتأسيس ظلم . * ( وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناه فِي إِمامٍ مُبِينٍ ) * يعني اللوح المحفوظ .
واضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ( 13 ) إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ( 14 ) * ( وَاضْرِبْ لَهُمْ ) * ومثل لهم من قولهم هذه الأشياء على ضرب واحد أي مثال واحد ، وهو يتعدى إلى مفعولين لتضمنه معنى الجعل وهما : * ( مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ ) * على حذف مضاف أي اجعل لهم مثل أصحاب القرية مثلا ، ويجوز أن يقتصر على واحد ويجعل المقدر بدلا من الملفوظ أو بيانا له ، والقرية أنطاكية . * ( إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ) * بدل من أصحاب القرية ، و * ( الْمُرْسَلُونَ ) * رسل عيسى عليه الصلاة والسلام إلى أهلها وإضافته إلى نفسه في قوله : * ( إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ ) * لأنه فعل رسوله وخليفته وهما يحيى ويونس ، وقيل غيرهما . * ( فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا ) * فقوينا ، وقرأ أبو بكر مخففا من عزه إذا غلبه وحذف المفعول لدلالة ما قبله عليه ولأن المقصود ذكر المعزز به . * ( بِثالِثٍ ) * وهو شمعون . * ( فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ) * وذلك أنهم كانوا عبدة أصنام فأرسل إليهم عيسى عليه السلام اثنين ، فلما قربا من المدينة رأيا حبيبا النجار يرعى غنما فسألهما فأخبراه فقال : أمعكما آية