لا كالأولى قد ضيّعوا ما استحفظوا * قدما وعن نصر ابن أحمد أبعدوا
وطوى الزمان بهم إساءة من مضوا * إذ بيّضوا بصنيعهم ما سوّدوا
إن زرت عاملة فعامل موطن * لك وهي في هذي الزيارة تسعد
يدنيك من أنساب أكرم أسرة * فيها معظّمة المناسب قعّد
والفضل في عبد الحسين بعامل * فينان أغصان وظلّ أبرد
وصلتك في أعراقه القربى التي * لم يتّخذ أجرا سواها أحمد
جدّدت فيها ذكر آباء مضوا * فاسلم فأنت إلى العهود مجدّد
لا زلت ترعى العرب يا ابن محمّد * في عينك اليقظى التي ما ترقد
واليمن ما ينفكّ طائر سعده * يرعاك في الدنيا ونجمك أسعد
وكانت للسيّد زيارة أخرى لجبل عامل أوائل سنة 1352 ، وهذه الزيارة كانت شخصيّة قصد فيها الراحة من أعبائها الثقال ، وكانت الأجواء السياسيّة في العراق يومئذ مختلفة المهب ، فأحبّ أن يرتاح من كثير ممّا يثقل عليه من أعبائها .
وكان في هذه الزيارة مثل زيارتيه السابقتين محطّ الرحال ، وموضع الإجلال ، وكان قد ألقى إلى الناس بانبساطه ، وأقبل عليهم متهلّل الأسارير ، فيتعلّقون منه بالآخذ الآسر ، مع مهابة مسيطرة ، وحديث ساحر وابتسام ورنوات تأخذ بمجامع القلوب وأزمّة الألباب . وبينا هو في هذا الانس المتبادل إذ فوجئ - أبّان النشوة - بنعي الملك فيصل تغتاله يد المنون في « برن » وتأتيه من ساسة العراق برقيّات تلحّ باستعجاله ، فيركب إليهم متن الريح فما مضت ساعات حتّى حلّق فوق بغداد ، فهمّت الطيّارة أكثر من مرّة بالنزول فلم تستطع لازدحام المستقبلين حتّى أفسحوا لها في رحبة المطار ، وكان مجلس الأعيان حاشدا ينتخب بإجماعه السيّد - وهو في الطيّارة - رئيسا ، فلمّا هبط واستقلّ سيّارته توجّه توّا إلى المجلس ليقوم بمراسم العرش المتّبعة .