آهاته من مكان بعيد في تلك الآونة .
أقبل الغلام وامتنع عن تنفيذ المهمة مدة طويلة ، فعندما رأى وجه يوسف ، لم يطاوعه قلبه ، وأخيرا رأى ذلك الرجل الخيرّ معطفا ، فهوى بيده بكل شدة ، وضرب المعطف ، وكلما ضرب الرجل المعطف ضربة قوية ، تأوه يوسف وناح بشدة ، وعندما كانت زليخا تسمع النواح من بعيد ، كانت تقول : اضربه واحدة أخرى أشد أيها الغلام الجلد .
قال الرجل : يوسف ، يا من له طلعة الشمس ، إن تلق زليخا نظرة عليك ، ولا ترى عليك أي جرح من أثر العصا ، فلا ريب أنها ستسلمني إلى العدم ، فاكشف عن كتفك وتمسك بالشجاعة ، وتحمل ضربة عصا مبرحة ، حتى ولو أصابتك الضربة بجرح ، فإن تنظر إليك ، تجد أثرا للضرب .
تعرى يوسف في ذلك الوقت ، فثارت الاضطرابات في السماوات السبع ، ثم رفع الرجل يده وهوى بضربة قوية ، طرحته أرضا . وعندما سمعت زليخا الآهة هذه المرة ، قالت :
كفى ، فهذه آهة صادقة ، قبل هذه كانت الآهات مصطنعة ، أما هذه الآهة فصادرة عن روح مضطربة .
إذا كان بالمأتم مائة باك ، فاهة صاحب المصاب هي المؤثرة وحدها ، ولو تحلق في مأتم مائة محزون ، فصاحب المأتم هو فص تلك الحلقة ، وإن لم تكن رجل آلام ، فلن تكون رجلا في مصاف الرجال ، وكل من تسيطر عليه آلام العشق وحرقته ، كيف يجد الراحة والسكينة في ليله أو نهاره ؟ . .
* * *
منطق الطير — صفحة 354
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٣٥٤