اللَّهِ الْمُتَّقِينَ .
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي صِفَةِ الْمُنَافِقِينَ : { اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ } أَيْ : اسْتَوْلَى يُقَالُ : حَاذَ الْإِبِلَ حَوْذاً إذَا اسْتَاقَهَا فَاَلَّذِينَ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ فَسَاقَهُمْ إلَى خِلَافِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ قَالَ تَعَالَى : { أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً } أَيْ تُزْعِجُهُمْ إزْعَاجاً فَهَؤُلَاءِ { اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ } .
وَفِي السُّنَنِ عَنْ أَبَى الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ لَا يُؤَذَّنُ وَلَا تُقَامُ فِيهِمْ الصَّلَاةُ إلَّا اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ } .
فَأَيُّ ثَلَاثَةٍ كَانُوا مِنْ هَؤُلَاءِ لَا يُؤَذَّنُ وَلَا تُقَامُ فِيهِمْ الصَّلَاةُ كَانُوا مِنْ حِزْبِ الشَّيْطَانِ الَّذِينَ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ لَا مِنْ أَوْلِيَاءِ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ أَكْرَمَهُمْ ؛ فَإِنْ كَانُوا عُبَّاداً زُهَّاداً وَلَهُمْ جُوعٌ وَسَهَرٌ وَصَمْتٌ وَخَلْوَةٌ كَرُهْبَانِ الدِّيَارَاتِ وَالْمُقِيمِينَ فِي الْكُهُوفِ وَالْمَغَارَاتِ كَأَهْلِ جَبَلِ لُبْنَانَ وَأَهْلِ جَبَلِ الْفَتْحِ الَّذِي بآسون وَجَبَلِ ليسون وَمَغَارَةِ الدَّمِ بِجَبَلِ قاسيون وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن الجِبَالِ وَالْبِقَاعِ الَّتِي يَقْصِدُهَا كَثِيرٌ مِن العُبَّادِ الْجُهَّالِ الضُّلَّالِ وَيَفْعَلُونَ فِيهَا خَلَوَاتٍ وَرِيَاضَاتٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤَذَّنَ وَتُقَامَ فِيهِمْ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ بَلْ يَتَعَبَّدُونَ بِعِبَادَاتِ لَمْ يُشَرِّعْهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ بَلْ يَعْبُدُونَهُ بِأَذْوَاقِهِمْ وَمَوَاجِيدِهِمْ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ لِأَحْوَالِهِمْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
مجموعة الفتاوى — صفحه 447
پدیدآورندگان: ابن تيمية
ص۴۴۷