الحي وعقلياته ومدركاته ، وما كسب من علوم وإدراكات ، أو ما اتّصف بمساوئ الأخلاق ومحاسنها ، إلّا تلك التفاعلات والانفعالات فالروح والروحيات أعمال فيزيائية وأُمور ميكانيكية ، فالإنسان وروحه عند المادي معامل ، كمعامل الأقمشة تعمل فيها تلك الأُمور الروحية وأنّ لها أسباباً وأدوات لها مدة من الحياة .
والإنصاف أنّ القوم قصروا في تفسير الحياة وعلوم الإنسان فاقتصروا في بيان حقائقها ، بمبادئها المادية ، ومقدماتها الطبيعية ، ولا ينكرها أيحكيم نابه أو فيلسوف متضلّع .
والكلام كلّه في أنّ ما يشاهده كل الناس عند العلم بالذات ( أنا ) هل ينطبق على تلك الخاصة الدماغية أو هو أمر آخر وراء تلك المقدمات ؟ وقد عرفت تضافر البرهان على الثاني ، فإنّ مشهودنا عند العلم بالذات ( أنا ) لا يقبل الانقسام والكثرة ، لا يقبل الغفلة والغيبة في طول الحياة .
وما قالوا من زوال الشعور بذاتنا عند تعطيل الحواس لأجل عوارض من الاغماء ونحوه ، خال عن البرهنة ، مخالف للتجربة ، والتجاريب العلمية قائمة على خلافه ، إذ المغمى عليه في تلك الأحوال المدهشة لا يغفل عن ذاته وينساه ، وأقصى ما تستتبعه هذه الأحوال أنّه لا يذكر مشاهدة ذاته في هذه الأحوال ، لا أنّه يشاهد عدم ذاته أو غفلته عن ذاته وكم فرق بينهما .
ظهر ممّا مر في تلك المقالة أمران :
1 - العلم والإدراك مجرّدان لا ماديان .
2 - العلم إمّا حضوري أو حصولي .
أصول الفلسفة — صفحة 177
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١٧٧