الصِّدْقِ وَالْإِخْلَاصِ إظْهَارَ الْأُمُورِ الْمَشْرُوعَةِ ، حَذَراً مِنْ لَمْزِهِمْ وَذَمِّهِمْ ، فَيَتَعَطَّلُ الْخَيْرُ ، وَيَبْقَى لِأَهْلِ الشِّرْكِ شَوْكَةٌ يُظْهِرُونَ الشَّرَّ ، وَلَا أَحَدَ يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْمَفَاسِدِ .
الرَّابِعُ : أَنَّ مِثْلَ هَذَا مِنْ شَعَائِرِ الْمُنَافِقِينَ ، وَهُوَ يَطْعَنُ عَلَى مَنْ يُظْهِرُ الْأَعْمَالَ الْمَشْرُوعَةَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَاَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .
فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا حَضَّ عَلَى الْإِنْفَاقِ عَامَ تَبُوكَ جَاءَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ يَدُهُ تَعْجِزُ مِنْ حَمْلِهَا ، فَقَالُوا : هَذَا مُرَاءٍ ، وَجَاءَ بَعْضُهُمْ بِصَاعٍ ، فَقَالُوا : لَقَدْ كَانَ اللَّهُ غَنِيّاً عَنْ صَاعِ فُلَانٍ ، فَلَمَزُوا هَذَا وَهَذَا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ ، وَصَارَ عِبْرَةً فِيمَنْ يَلْمِزُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُطِيعِينَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
224 - 140 - مَسْأَلَةٌ : فِي الرَّجُلِ إذَا تُلِيَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فِيهِ سَجْدَةٌ سَجَدَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ ، فَهَلْ يَأْثَمُ ؟ أَوْ يَكْفُرُ ؛ أَوْ تَطْلُقُ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ ؟
الْجَوَابُ : لَا يَكْفُرُ ، وَلَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ ، وَلَكِنْ يَأْثَمُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، وَلَكِنْ ذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ مَنْ صَلَّى بِلَا وُضُوءٍ فِيمَا تُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ بِالْإِجْمَاعِ .
كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ أَنَّهُ يَكْفُرُ بِذَلِكَ ، وَإِذَا كَفَرَ كَانَ مُرْتَدّاً .
وَالْمُرْتَدُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تَبِينُ مِنْهُ زَوْجَتُهُ ، وَلَكِنْ تَكْفِيرُ هَذَا لَيْسَ مَنْقُولاً عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ نَفْسِهِ ، وَلَا عَنْ صَاحِبَيْهِ وَإِنَّمَا هُوَ عَنْ أَتْبَاعِهِ ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ يُعَزَّرُ ، وَلَا يُكَفَّرُ إلَّا إذَا اسْتَحَلَّ ذَلِكَ وَاسْتَهْزَأَ بِالصَّلَاةِ .
وَأَمَّا سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ : فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهَا تَجُوزُ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ ، وَمَا تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِهِ لَا يَكْفُرُ فَاعِلُهُ بِالِاتِّفَاقِ ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا تَبِينُ مِنْهُ زَوْجَتُهُ إلَّا إذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ، وَلَمْ يَرْجِعْ إلَى الْإِسْلَامِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 264
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٦٤