سورة الملك ( 22 - 30 )
ضرب سبحانه مثلا للمشرك والموحد لإيضاح حالهما وبيان مآلهما ، فقال ( أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى )
والمكب والمنكب : الساقط على وجهه ، يقال كببته فأكب وانكب ، وقيل هو الذي يكب رأسه فلا ينظر يمينا
ولا شمالا ولا أماما فهو لا يأمن العثور والانكباب على وجهه . وقيل أراد به الأعمى الذي لا يهتدى إلى الطريق فلا
يزال مشيه ينكسه على وجهه . قال قتادة : هو الكافر يكب على معاصي الله في الدنيا فيحشره الله يوم القيامة على
وجهه . والهمزة للاستفهام الإنكاري : أي هل هذا الذي يمشي على وجهه أهدى إلى المقصد الذي يريده ( أمن
يمشي سويا ) معتدلا ناظرا إلى ما بين يديه ( على صراط مستقيم ) أي على طريق مستوى لا اعوجاج به ولا انحراف
فيه ، وخبر من محذوف لدلالة خبر من الأولى وهو أهدى عليه ، وقيل لا حاجة إلى ذلك ، لأن من الثانية معطوفة
على من الأولى عطف المفرد على المفرد ، كقولك أزيد قائم أم عمرو ؟ وقيل أراد بمن يمشي مكبا على وجهه من
يحشر على وجهه إلى النار ، ومن يمشي سويا من يحشر على قدميه إلى الجنة ، وهو كقول قتادة الذي ذكرناه ،
ومثله قوله - ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم - قل هو الذي أنشأكم - أمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله
وسلم أن يخبرهم بأن الله هو الذي أنشأهم النشأة الأولى ( وجعل ) لهم ( السمع ) ليسمعوا به ( والأبصار ) ليبصروا
بها ، ووجه إفراد السمع مع جمع الأبصار أنه مصدر يطلق على القليل والكثير ، وقد قدمنا بيان هذا في مواضع مع
زيادة في البيان ( والأفئدة ) القلوب التي يتفكرون بها في مخلوقات الله ، فذكر سبحانه ها هنا أنه قد جعل لهم
ما يدركون به المسموعات والمبصرات والمعقولات إيضاحا للحجة وقطعا للمعذرة وذما لهم على عدم شكر نعم الله ،
ولهذا قال ( قليلا ما تشكرون ) وانتصاب قليلا على أنه نعت مصدر محذوف ، وما مزيدة للتأكيد : أي شكرا قليلا أو
زمانا قليلا ، وقيل أراد بقلة الشكر عدم وجوده منهم . قال مقاتل : يعنى أنكم لا تشكرون رب هذه النعم فتوحدونه
( قل هو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون ) أمر الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأن يخبرهم أن الله هو
الذي خلقهم في الأرض ونشرهم فيها وفرقهم على ظهرها وأن حشرهم للجزاء إليه لا إلى غيره . ثم ذكر سبحانه أنهم
يستعجلون العذاب فقال ( ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ) أي متى هذا الوعد الذي تذكرونه لنا من
فتح القدير — صفحة 264
مساهمون: الشوكاني
ص٢٦٤