Skip to main content

فتح الباري — Page 562

Contributors:

P.562
في الشرع لا توصف لا بحل ولا حرمة فلا يثبت النسخ في هذا ونقل الحازمي أيضا تقرير النسخ بطريق أخرى فقال إن النهى عن أكل الخيل والحمير كان عاما من أجل أخذهم لها قبل القسمة والتخميس ولذلك أمر باكفاء القدور ثم بين بندائه بأن لحوم الحمر رجس أن تحريمها لذاتها وأن النهى عن الخيل انما كان بسبب ترك القسمة خاصة ويعكر عليه أن الامر باكفاء القدور انما كان بطبخهم فيها الحمر كما هو مصرح به في الصحيح لا الخيل فلا يتم مراده والحق أن حديث خالد ولو سلم أنه ثابت لا ينهض معارضا لحديث جابر الدال على الجواز وقد وافقه حديث أسماء وقد ضعف حديث خالد أحمد والبخاري وموسى بن هارون والدارقطني والخطابي وابن عبد البر وعبد الحق وآخرون وجمع بعضهم بين حديث جابر وخالد بأن حديث جابر دال على الجواز في الجملة وحديث خالد دال على المنع في حالة دون حالة لان الخيل في خيبر كانت عزيزة وكانوا محتاجين إليها للجهاد فلا يعارض النهى المذكور ولولا يلزم وصف أكل الخيل بالكراهة المطلقة فضلا عن التحريم وقد وقع عند الدارقطني في حديث أسماء كانت لنا فرس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرادت أن تموت فذبحناها فأكلناها وأجاب عن حديث أسماء بأنها واقعة عين فلعل تلك الفرس كانت كبرت بحيث صارت لا ينتفع بها في الجهاد فيكون النهى عن الخيل لمعنى خارج لا لذاتها وهو جمع جيد وزعم بعضهم أن حديث جابر في الباب دال على التحريم لقوله رخص لان الرخصة استباحة المحظور مع قيام المانع فدل على أنه رخص لهم فيها بسبب المخمصة التي أصابتهم بخيبر فلا يدل ذلك على الحل المطلق وأجيب بأن أكثر الروايات جاء بلفظ الاذن وبعضها بالامر فدل على أن المراد بقوله رخص أذن لا خصوص الرخصة باصطلاح من تأخر عن عهد الصحابة ونوقض أيضا بأن الاذن في أكل الخيل لو كان رخصة لأجل المخمصة لكانت الحمر الأهلية أولى بذلك لكثرتها وعزة الخيل حينئذ ولان الخيل ينتفع بها فيما ينتفع بالحمير من الحمل وغيره والحمير لا ينتفع بها فيما ينتفع بالخيل من القتال عليها والواقع كما سيأتي صريحا في الباب الذي يليه أنه صلى الله عليه وسلم أمر بإراقة القدور التي طبخت فيها الحمر مع ما كان بهم من الحاجة فدل ذلك على أن الاذن في أكل الخيل انما كان للإباحة العامة لا لخصوص الضرورة وأما ما نقل عن ابن عباس ومالك وغيرهما من الاحتجاج للمنع بقوله تعالى والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة فقد تمسك بها أكثر القائلين بالتحريم وقرروا ذلك بأوجه * أحدها أن اللام للتعليل فدل على أنها لم تخلق لغير ذلك لان العلة المنصوصة تفيد الحصر فإباحة أكلها تقتضى خلاف ظاهر الآية * ثانيها عطف البغال والحمير فدل على اشتراكها معها في حكم التحريم فيحتاج من أفرد حكمها عن حكم ما عطفت عليه إلى دليل * ثالثها أن الآية سيقت مساق الامتنان فلو كانت ينتفع بها في الاكل لكان الامتنان به أعظم لأنه يتعلق به بقاء البنية بغير واسطة والحكيم لا يمتن بأدنى النعم ويترك أعلاها ولا سيما وقد وقع الامتنان بالاكل في المذكورات قبلها * رابعا لو أبيح أكلها لفاتت المنفعة بها فيما وقع به الامتنان من الركوب والزينة هذا ملخص ما تمسكوا به من هذه الآية والجواب على سبيل الاجمال أن آية النحل مكية اتفاقا والاذن في أكل الخيل كان بعد الهجرة من مكة بأكثر من ست سنين فلو فهم النبي صلى الله عليه وسلم من الآية المنع لما أذن في الاكل وأيضا فآية النحل ليست نصا في منع الاكل والحديث صريح في جوازه وأيضا على