فما ذهب إليه البعض من كون الدِّين هو العرفان بشكل يتساويان هو من الاشتباهات « كما توهّمه البعض من الماديّين فقسّم المسلك الدائر بين الناس إلى قسمين : المادّية والعرفان وهو الدِّين » ( 1 ) . نعم ، هناك علاقة أساسيّة تربط العرفان بالدِّين وهي رابطة الاقتضاء والاستلزام « فالدِّين أمر وعرفان النفس أمرٌ آخر وراءه ، وإن استلزم الدِّين العرفان نوعاً من الاستلزام » ( 2 ) . وهنا نصل إلى الإجابة عن الموقف الحقيقي للدِّين من العرفان ، فمن قال بأنّ الدِّين لا علاقة له بالمطلق مع العرفان فإنّه وقع في اشتباه كبير ، وهكذا من قال بأنّ الدِّين هو العرفان لا غير فقد وقع في نفس الاشتباه . نعم ، ما يقوم به البعض من الرياضات الروحيّة كجزء من العرفان ليس بالضرورة أن يكون مصيباً على الدوام إذ الحقّ « أنّ طرق الرياضة والمجاهدة المسلوكة لمقاصد متنوّعة غريبة عن العادة أيضاً غير عرفان النفس وإن ارتبط البعض بالبعض نحواً من الارتباط » ( 3 ) . فالعرفان وإن سلك فيه البعض مسلكاً يخالف الدِّين فذلك لأنّه اشتبه في التطبيق ، ولكن أصل السلوك هو من مستلزمات الدِّين ؛ لذا « لنا أن نقضي بأمر وهو أنّ عرفان النفس بأيّ طريق من الطرق فرض السلوك إليه إنّما هو أمرٌ مأخوذ من الدِّين ، كما أنّ البالغ الحرّ يعطي أنّ الأديان على اختلافها وتشتّتها إنّما انشعبت هذه الانشعابات من دين واحد عريق تدعو إليه الفطرة الإنسانيّة وهو دين التوحيد » ( 4 ) .
العرفان الشيعي رؤى في مرتكزاته النظريّة ومسالكه العمليّة من أبحاث السيّد كمال الحيدري — صفحة 36
مساهمون: الشيخ خليل رزق
ص٣٦
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ص 188 .
( 2 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ص 188 .
( 3 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ص 188 .
( 4 ) المصدر نفسه : ص 188 - 189 .