وغضب المأمون على الفضل بن الربيع غضبا شديدا لعمله هذا ، وكان معه الفضل
ابن سهل الذي اشتهر بميوله الفارسية بدرجة لا يعادلها إلا بغضه لسميه وزير الأمين ،
فأشار هذا على سيده أن يتهيأ لكفاح حاسم ، فإن أخاه قد جرده بعمل وزيره من
جيشه ، وهو لا بد يريد نكث بيعته والاستئثار بميراث أبيه ، وذكره بفضل إيران في
توطيد حكم بني العباس على زمن أبي مسلم . وخلاصة القول فإنه حثه على تقوية
مركزه بالتقرب من الشعب الإيراني ، ثم العمل على الاستئثار بالسلطة في البلاد جميعا .
فوطد المأمون السلم في خراسان وتقرب إلى كثير من رعاياه في تلك المقاطعة .
ولكنه لم يشأ أن يخل بالعهد الذي أخذه عليه أبوه في مكة . فبايع أخاه بالخلافة . غير
أن الفضل بن الربيع لما عاد إلى بغداد تمكن من إقناع الأمين بنكث العهد وتعيين ابنه
موسى وليا للعهد بدلا من المأمون . ففعل ذلك سنة 194 ه ، فأخذ المأمون على ذلك
يعد العدة لتسيير الجيوش من خراسان لتثبيت حقه في الخلافة . وانضم ألوف من
الإيرانيين الموالين ، الذين يفضلون المأمون على الأمين ، إلى هذه الجيوش التي كانت
بقيادة قائدين قديرين ، وهما هرثمة وطاهر . وانتهى الأمر بحصار بغداد حصارا
طويلا شاقا ( 196 - 198 ) حتى تمكن طاهر من إنفاذ رأس الأمين إلى المأمون وهو
في خراسان برهانا على انتهاء الحرب .
وبويع المأمون حينئذ بالخلافة لكنه لم يجرؤ على الشخوص إلى بغداد وكان
خلال هذه المدة تحت تأثير شديد من وزيره الفضل بن سهل الذي اشتهر بميوله
الفارسية والشيعية ، وقرر أخيرا ، وهو في رأيه عمل سياسي كبير ، أن يتقرب من
الشيعة بتعيين إمامهم وليا للعهد .
وكان الإمام عند الشيعة آنئذ علي الرضا بن موسى الكاظم وأمه فارسية أيضا وهي
جارية اسمها تكتما ، اختارتها حميدة لابنها موسى الكاظم . ويذكر المصدر نفسه أن
عليا الرضا كان كثير الرضاع في طفولته حتى قالت أمه : أعينوني بمرضعة . فقيل لها :
أنقص الدر ؟ فقالت : لا أكذب والله ما نقص ولكن عليا ورد من صلاتي وتسبيحي
شرح إحقاق الحق — صفحة 639
مساهمون: السيد شهاب الدين المرعشي النجفي
ص٦٣٩