العقلاء رغم اختلاف أمكنتهم وأزمنتهم ، فالسيرة بهذا المعنى تكون ناشئة عن نكتة يراها العقلاء ويرتّبون سلوكهم وسيرتهم عليها ، وفي أيّ زمان نفترض فيه وجود تلك النكتة يكون سلوكهم نفس السلوك السابق ، إذ من الواضح أنّ فطرة العقلاء وطبعهم لا يتغيّر بتغيّر الزمن ، هذا ما يمكن أن يُقال في تصوير هذا الطريق .
إلّا أنّ الصحيح عدم تماميّة هذا الطريق لإثبات معاصرة السيرة للمعصوم ؛ وذلك لإمكان المناقشة في كلٍّ من الأمرين اللذين يقوم عليهما الاستدلال .
أمّا الأمر الأوّل ، فلأنّ ما هو صعب في تحوّل السيرة من سلوك إلى سلوك مقابل هو التحوّل الفجائي والدفعي في فترة زمنية قصيرة ، وأمّا تحوّله في فترة زمنية طويلة وبشكل تدريجيّ وبطئ فهو أمر ممكن ولا صعوبة فيه . فلو كنّا نبتعد عن عصر النصّ أو عصر الغيبة بخمسين سنة مثلاً ووجدنا سيرةَ العقلاء قائمةً على العمل بخبر الواحد وسيرةَ المتشرّعة قائمةً على المسح ببعض الكفّ فيمكننا الحكم بامتداد السيرتين إلى زمن المعصوم ؛ لصعوبة افتراض التغيّر فيهما في مثل هذه الفترة الزمنية ، وأمّا في زماننا الذي يبعد عن عصر النصّ مئات السنين فيمكن للسيرة في مثل هذه الحقبة الزمنية الطويلة أن تتحوّل بشكل تدريجي .
أمّا إذا أردنا أن نضرب مثالاً في السيرة المتشرّعية لتتّضح حقيقة المناقشة في الأمر الأوّل فنقول : لو رأينا قيام سيرة المتشرّعة على جواز مسح القدمين ببعض الكفّ في الوضوء ، فمن الصعوبة بمكانٍ الجزمُ بمعاصرة هذه السيرة للمعصوم عن طريق وجودها الآن ؛ إذ ربما استند المتشرّعة بعد عصر المعصوم إلى آراء الفقهاء الذين جاءوا بعد عصر النصّ بأربعمائة سنة أو أكثر
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 264
مساهمون: علاء السالم
ص٢٦٤