فهذه الغارة شبيهة بثورة جامحة من ثورات الطبيعة الشاردة ، ولكنها لا تشبه في شئ ما نعرفه من أحداث التاريخ الإنسانى ، لأنها امتازت بالمفاجأة ، والتخريب الشامل ، والقسوة النابية ، والغلظة الجافية ، والشدة التي لا تقاوم ، والتحطيم الذي لا رحمة فيه ، والدمار الذي لا مقصد من ورائه . . . ! !
وقد قامت بهذه الأفعال جميعها قبائل متوحشة لم يكن يعرفها أحد ، حتى أشد الناس اتصالا بهم من جيرتهم . . . ! !
ويقول « دوسون
d'Ohsson
» : « لولا أن المصادر كلها تتفق على تصوير ما قاموا به من قتل وتخريب وتدمير لما استطاع أحد أن يصدق مقدار البلاء الذي أوقعته في سنين قليلة هذه الجموع البربرية بمساحات واسعة من العالم امتدت من اليابان إلى ألمانيا « 1 » . . . ! ! » .
ولقد نستطيع أن نعرف مدى الأثر الذي أثروا به في قلوب معاصريهم من الكتاب إذا أوردنا هذه النبذة التي كتبها عنهم الكاتب المدقق والمؤرخ المحقق « ابن الأثير » عندما أراد أن يتحدث عنهم تحت سنة 617 ه ( - 1220 - 1221 م ) فقد قال :
« ذكر خروج التتر إلى بلاد الإسلام : » [ في كلام ابن الأثير ]
« لقد بقيت عدة سنين معرضا عن ذكر هذه الحادثة ، استعظاما لها ، كارها لذكرها » « فأنا أقدم إليها رجلا وأؤخر أخرى ، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعى » « الإسلام والمسلمين . . . ؟ ! ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك . . . ؟ ! فيا ليت » « أمي لم تلدني ، ويا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا . إلا أنى حثنى جماعة » « من الأصدقاء على تسطيرها وأنا متوقف ، ثم رأيت أن ترك ذلك لا يجدى »
هامش
( 1 ) طلب المغول من اليابان الخضوع لسلطانهم في سنة 1270 م وهاجموهم ثلاث مرات كانت الأخيرة منها في سنة 1283 م وقد حطم أسطول المغول في سنة 1280 م كما حطمت الأرمادا الأسبانية تماما . أما غارات المغول في أوروبا فقد حدثت ما بين سنة 1236 وسنة 1241 م .