Skip to main content

بدائع الصنائع — Page 331

Contributors:

P.331
الصلاة والسلام أنه قال لا وصية لوارث والكتاب العزيز قد ينسخ بالسنة افان قيل إنما ينسخ الكتاب عندكم بالسنة المتواترة وهذا من الآحاد فالجواب ان هذا الحديث متواتر غير أن التواتر ضربان تواتر من حيث الرواية وهو ان يرويه جماعة لا يتصور تواطؤهم على الكذب وتواتر من حيث ظهور العمل به قرنا فقرنا من غير ظهور المنع والنكير عليهم في العمل به الا انهم ما رووه على التواتر لان ظهور العمل به أغناهم عن روايته وقد ظهر العمل بهذا مع ظهور القول أيضا من الأئمة بالفتوى به بلا تنازع منهم ومثله يوجب العمل قطعا فيجوز نسخ الكتاب العزيز به كما يجوز بالمتواتر في الرواية الا انهما يفترقان من وجه وهو ان جاحد المتواتر في الرواية يكفر وجاحد المتواتر في ظهور العمل لا يكفر لمعنى عرف في أصول الفقه وقال بعض العلماء نسختها آية المواريث وفى الحديث ما يدل عليه فإنه عليه الصلاة والسلام قال إن الله تبارك وتعالى أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث وقوله كل ذي حق حقه أي كل حقه فقد أشار عليه الصلاة والسلام إلى أن الميراث الذي أعطى للوارث كل حقه فيدل على ارتفاع الوصية وتحول حقه من الوصية إلى الميراث وإذا تحول فلا يبقى له حق له في الوصية كالقبلة لما تحولت من بيت المقدس إلى الكعبة لم يبق ببيت المقدس قبلة وكالدين إذا تحول من ذمة إلى ذمة لا يبقى في الذمة الأولى وكما في الحوالة الحقيقية وقال بعضهم الوصية بقيت واجبة للوالدين والأقربين غير الوارثين بسبب الكفر والرق والآية وإن كانت عامة في المخرج لكن خص منها الوالدان والأقربون الوارثون بالحديث وهو قوله عليه الصلاة والسلام لا وصية لوارث فكان الحديث مخصصا لعموم الكتاب لا ناسخا والحمل على التخصيص أولى من الحمل على النسخ الا ان عامة أهل التأويل قالوا إن الوصية في الابتداء كانت فريضة للوالدين والأقربين المسلمين ثم نسخت بحديث أبى قلابة وقال بعضهم إن كان عليه حج أو زكاة أو كفارة أو غير ذلك من الواجبات فالوصية بذلك واجبة وان لم يكن فهي غير واجبة بل جائزة وبه أخذ الفقيه أبو الليث ( وأما ) الكلام في الاستحباب فقد قالوا إن كان ماله قليلا وله ورثة فقراء فالأفضل أن لا يوصى لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث سعد رضى الله تعالى عنه انك ان تركت ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس ولان الوصية في هذه الحالة تكون صلة بالأجانب والترك يكون صلة بالأقارب فكان أولى وإن كان ماله كثيرا فإن كانت ورثته فقراء فالأفضل أن يوصى بما دون الثلث ويترك المال لورثته لان غنية الورثة تحصل بما زاد على الثلث إذا كان المال كثيرا ولا تحصل عند قلته والوصية بالخمس أفضل من الوصية بالربع والوصية بالربع أفضل من الوصية بالثلث لما روى عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال لان أوصى بالخمس أحب إلى من أن أوصى بالربع ولان أوصى بالربع أحب إلى من أن أوصى بالثلث ومن أوصى بالثلث لم يترك شيئا أي لم يترك من حقه شيئا لورثته لان الثلث حقه فإذا أوصى بالثلث فلم يترك من حقه شيئا لهم وروى عن سيدنا أبى بكر وسيدنا عمر وسيدنا عثمان رضى الله تعالى عنهم انهم قالوا الخمس اقتصاد والربع جهد والثلث حيف وإن كان ورثته أغنياء فالأفضل الوصية بالثلث ثم الوصية بالثلث لأقاربه الذين لا يرثون أفضل من الوصية به للأجانب والوصية للقريب المعادي أفضل من الوصية للقريب الموالي لان الصدقة على المعادي تكون أقرب إلى الاخلاص وأبعد عن الرياء ونظيره قوله عليه الصلاة والسلام لذلك اشترى عبدا فاعتقه فان شكرك فهو خير له وشر لك وان كفرك فهو شر له وخير لك ولان الوصية للمعادي سبب لزوال العداوة وصيانة للقرابة عن القطيعة فكانت أولى هذا إذا استوى الفريقان في الفضل والدين والحاجة وأحدهما معادي ( فاما ) إذا كان الموالي منهما اعفهما وأصلحهما وأحوجهما فالوصية له أفضل لان الوصية له تقع إعانة على طاعة الله تبارك وتعالى * ( فصل ) * وأما ركن الوصية فقد اختلف فيه قال أصحابنا الثلاثة رحمهم الله هو الايجاب والقبول الايجاب من الموصى والقبول من الموصى له فما لم يوجدا جميعا لا يتم الركن وان شئت قلت ركن الوصية الايجاب من الموصى وعدم الرد من الموصى له وهو ان يقع اليأس عن رده وهذا أسهل لتخريج المسائل على ما نذكر وقال زفر رحمهم الله الركن هو
بدائع الصنائع — Page 331 | أبي بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني (الكاشاني)