تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني ) — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
يَحْتَسِبُ ، فَإِنَّهُ لَوْ عَلِمَ طَرِيقَهَا لَتَوَقَّاهَا مَا اسْتَطَاعَ ، فَإِذَا جَاءَتْهُ عَلَى غِرَّة فَهِيَ أَدْهَى وَأَعْظَمُ عَلَى مَنْ وَقَعَتْ بِهِ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ ، فَكَذَلِكَ الْبِدْعَةُ إِذَا جَاءَتِ الْعَامِّيَّ مِنْ طَرِيقِ الفتيا ، لأنه ( استند ) ( 1 ) فِي دِينِهِ إِلَى مَنْ ظَهَرَ فِي رُتْبَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَيَضِلُّ مِنْ حَيْثُ يَطْلُبُ الْهِدَايَةَ : اللَّهُمَّ اهْدِنَا الصِّرَاطَ / الْمُسْتَقِيمَ ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عليهم . المسألة السادسة والعشرون : إن ها هنا نَظَرًا لَفْظِيًّا فِي الْحَدِيثِ هُوَ مِنْ تَمَامِ الكلام فيه ، وذلك أنه لما أخبر صلّى الله عليه وسلّم أَنَّ جَمِيعَ الْفِرَقِ فِي النَّارِ إِلَّا فِرْقَةً وَاحِدَةً ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ الْمُفَسِّرَةُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ ، فَجَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى السُّؤَالُ عَنْهَا - سُؤَالُ التَّعْيِينِ - فَقَالُوا : مَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَأَصْلُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ : أَنَا وَأَصْحَابِي ، وَمَنْ عَمِلَ مِثْلَ عَمَلِنَا ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مما يعطي تعيين الفرقة ، إما بالإشارة إليها أَوْ بِوَصْفٍ مِنْ أَوْصَافِهَا / إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ / لَمْ يَقَعْ ، وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي الْجَوَابِ تَعْيِينُ الوصف لا تعيين الموصوف ، فلذلك أتى ب - " ما " ( التي تقتضي بظاهرها ) ( 2 ) الْوُقُوعُ عَلَى غَيْرِ الْعَاقِلِ مِنَ الْأَوْصَافِ وَغَيْرِهَا ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوْصَافُ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَلَمْ يُطَابِقِ السُّؤَالُ الْجَوَابَ فِي اللَّفْظِ . وَالْعُذْرُ عَنْ هَذَا أَنَّ الْعَرَبَ لَا تَلْتَزِمُ ذَلِكَ النَّوْعَ / إِذَا فُهِمَ الْمَعْنَى ، لِأَنَّهُمْ لَمَّا سَأَلُوا عَنْ تَعْيِينِ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ بيَّن لَهُمُ الْوَصْفَ الَّذِي بِهِ صَارَتْ نَاجِيَةً ، فَقَالَ : " مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي " . / وَمِمَّا جَاءَ غَيْرَ مُطَابِقٍ فِي الظَّاهِرِ وَهُوَ فِي الْمَعْنَى مُطَابِقٌ قَوْلُ اللَّهِ تعالى : { قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ } ( 3 ) ، فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ مَعْنَاهُ : هَلْ أُخْبِرُكُمْ بِمَا هو أفضل من متاع ( الحياة ) ( 4 ) الدُّنْيَا ؟ فَكَأَنَّهُ قِيلَ : نَعَمْ ! أَخْبِرْنَا ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ } ( 5 )
هامش
( 1 ) في سائر النسخ ما عدا ( غ ) و ( ر ) : يستند . ( 2 ) في ( ط ) : أتى فظاهرها . ( 3 ) سورة آل عمران : الآية ( 15 ) . ( 4 ) زيادة من ( غ ) و ( ر ) . ( 5 ) سورة آل عمران : الآية ( 15 ) .
الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني ) — صفحة 245 | إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي