قال الراغب الأصفهاني في مفرداته : والخلافة النيابة عن الغير إما لغيبة المنسوب عنه وإما لموته ، وإما لعجزه وإما لتشريف المستخلف ، وعلى هذا الوجه الأخير استخلف الله أولياءه في الأرض ، قال تعالى : ( هو الذي جعلكم خلائف في الأرض ) ( وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ) وقال : ( يستخلف ربي قوماً غيركم ) ، والخلائف جمع خليفة ، وخلفاء جمع خليفة قال تعالى : ( يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض ) ( وجعلناهم خلائف ) ( وجعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ) . . . انتهى ( 1 ) .
إذن فالجعل في الآيات المباركة كلها هو التصيير ، بقسميه ، التصيير التكويني والتصيير التشريعي ، فإنه تعالى لما خلق آدم وجعله خليفة ، فقد صيّرهُ ، بحال يقتضي معه الخلافة وهيّأه لمهامها الكبرى ، ثم صيّره خليفة بالتصيير التشريعي وذلك بعد أن أعلم الملائكة بذلك فشرّع لهم خلافته وأوجب عليهم طاعته وأمرهم بالسجود له .
فبالتصيير التكويني ، استحق آدم الخلافة وبالتصيير التشريعي أوجب على الملائكة السجود له ثم بكلا التصييرين بعثه نبياً بعد أن جعله خليفة .
ونفس الكلام يأتي في خلافة داود ( عليه السلام ) حيث وهبهُ الله أعظم الصفات وأبدعها واصطفاه وصيّره خليفة وأوجب على الناس اتباعه والتصديق به فبالأول تمّ التصيير التكويني لخلافة الله تعالى ، وبالثاني تم التصيير التشريعي بمتابعة الأمة له .
قال الشيخ إسماعيل البروسي في تفسير روح البيان ، وفي معرض
هامش
( 1 ) المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص 156 دار المعرفة بيروت .