تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 646

مساهمون:

ص٦٤٦
قلوب مجموعة من اليهود ! والذي نعرفه هو أن هذه القسوة ما هي إلا نتيجة لارتكاب الذنوب والانحرافات ، فكيف إذن ينسب الله فعل جعل القسوة في قلوب أولئك اليهود إلى نفسه ؟ ولو كان هذا الفعل من الله ، فكيف يكون أولئك الأشخاص مسؤولين عن أعمالهم ، ألا يعتبر هذا نوعا من الجبر ؟ ولدى الإمعان بدقة في الآيات القرآنية المختلفة ، ومنها الآية موضوع البحث ، يتبين لنا أن الأشخاص إنما يحرمون - بسبب أخطائهم وذنوبهم - من لطف الله ورحمته وهدايته ، وأن أعمالهم هذه في الحقيقة مصدر لمجموعة من الانحرافات الفكرية والأخلاقية ، بحيث يستحيل على الإنسان - أحيانا - أن يجنب نفسه عواقبها ونتائجها . وبما أن العلل - أو الأسباب - تعطي آثارها بإذن الله ، لذلك نسب مثل هذه الآثار في القرآن الكريم إلى الله ، ففي الآية موضوع البحث نقرأ أن اليهود - نتيجة لنقضهم الميثاق - جعل الله قلوبهم قاسية ، كما نقرأ في الآية ( 27 ) من سورة إبراهيم قوله تعالى ويضل الله الظالمين وفي الآية ( 77 ) من سورة التوبة نقرأ قوله سبحانه : فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون . وواضح أن هذه الآثار السيئة تنبع من عمل الإنسان نفسه ، ولا تناقض في هذا الأمر حرية الإرادة والاختيار ، لأن مقدمات تلك الآثار تكون من عمل الإنسان وتصدر عنه بعلمه واختياره ، ولأن آثار عمله هي النتيجة الحتمية للعمل نفسه ، وعلى سبيل المثال لو أن إنسانا تناول شيئا من المشروبات الكحولية ، وحصلت لديه حالة من السكر ، فقام على أثر هذه الحالة بارتكاب جريمة معينة ، فهو وإن كان لا يمتلك إرادته في حالة السكر ، إلا أنه قبل ذلك أقدم على شرب الخمرة مختارا ومدركا لما يفعل ، وبذلك هيأ بنفسه مقدمات العمل الجنائي ، وهو يعمل احتمال صدور هذا العمل منه في حالة السكر ، ولذلك فهو مسؤول عن هذا