تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
في البدء تأخذ بيد الإنسان وتشير له إلى بدء حياته في ذلك اليوم حيث كان نطفة مهينة لا غير وتدعوه إلى التأمل والتفكر ، فتقول : أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين ( 1 ) . يا له من تعبير حيوي ؟ فالآية تؤكد أولا على مخاطبة الإنسان ، أيا كان وأي اعتقاد كان يعتقد ، وعلى أي مستوى كان من العلم ، فهو يستطيع إدراك هذه الحقيقة . ثم تتحدث عن " النطفة " والتي هي لغويا بمعنى " الماء المهين " لكي يعلم هذا الإنسان المغرور المتكبر - بقليل من التأمل - ماذا كان في البدء ؟ كما أن هذا الماء المهين لم يكن هو السبب في نشوئه وظهوره ، بل خلية حية متناهية في الصغر ، لا ترى بالعين المجردة ، من ضمن آلاف بل ملايين الخلايا الأخرى التي كانت تسبح في ذلك الماء المهين ، وباتحادها مع خلية صغيرة أخرى مستقرة في رحم المرأة تكونت الخلية البشرية الأولى ، ودخل الإنسان إلى عالم الوجود ! وتتواصل مراحل التكامل الجنيني الواحدة بعد الأخرى والتي هي ستة مراحل كما نقلها القرآن الكريم في بداية سورة " المؤمنون " ( النطفة ، العلقة ، المضغة ، العظام ، اكتساء العظام باللحم ، وتمثل الخلق السوي ) . ثم إن الإنسان بعد الولادة كائن ضعيف جدا ، لا يملك القدرة على شئ ، ثم يقطع مراحل نموه بسرعة حتى بلوغ الرشد الجسماني والعقلي . نعم ، فهذا الموجود الضعيف العاجز ، يصبح قويا إلى درجة أن يجيز لنفسه النهوض لمحاربة الدعوات الإلهية ، وينسى ماضيه ومستقبله ، ليكون مصداقا حيا لقوله تعالى : فإذا هو خصيم مبين . واللطيف أن هذا التعبير يتضمن جنبتين ، إحداهما تمثل جانب القوة ، والأخرى جانب الضعف ، ويظهر أن القرآن الكريم أشار إليهما جميعا . إن هذا العمل لا يكون إلا من إنسان يملك عقلا وفكرا وشعورا واستقلالا
هامش
1 - " خصيم " بمعنى المصر على الخصومة والجدال ، و ( الرؤية ) بمعنى ( العلم ) .