[ الدرجة الثالثة في السجود ]
وامّا السجود فهو مقام توحيد الذات وفناء الهويات لما ذكر فيه من اسم اللّه الاعلى الذي يدل على قهره الذوات بالفناء واستيلائه سبحانه على ظواهر الأشياء وبواطنها إذ قد دريت ان العلو باعتبار مرتبة الذات كالعظمة بحسب الصفات ولا ريب ان عند اعتلاء الذات لا يبقى لشيء من الأشياء اثر ولا ذات وأيضا لاشتماله على اللصوق بالأرض الذي يدل على أن اللاصق لا شئ عند المخاطب كما لا يخفى وأيضا لأنه ذكر فيه من التسبيح والتحميد اللذين أسلفنا تحقيقهما فالتنزيه في هذا المقام لبيان ان لا ذات سواه ولا شيئية لما عداه ولا وجود لما سواه والتحميد لبيان انه الظاهر الباطن الأول الآخر وفي الأدعية يا هو يا من لا هو الا هو إشارة إلى مقام التنزيه
Footnote
الخامسة ان العبادة لما كان فيها كلفة ومشقة ومن دأب المحب ان يتحمل من المشاق العظيمة في حضور المحبوب ما لا يتحمل عشر عشيره في غيبته بل لا يحصل له بسبب الحضور الا غاية الابتهاج ونهاية السرور قرن سبحانه العبادة بما يشعر بحضوره ونظره سبحانه إلى العابد ليحصل بذلك تدارك ما فيها من الكلفة وينجبر به ما يلزمها من المشقة ويأتي بها العابد عارية عن الكلال خالية عن الفتور والملال مقرونة بما فيه تمام النشاط ونهاية الانبساط
السادسة ان الحمد كما قاله المحققون اظهار مزايا المحمود على الغير فما دام للاغيار وجود في نظر السالك فهو يظهر كمالات المحبوب عليهم ويذكر مزاياه لديهم واما إذا آل امره وترقى حاله بسبب ملازمة الأذكار وملاحظة الآثار إلى ارتفاع الاستار واضمحلال جميع الاغيار لم يبق سوى المعبود بالحق والجمال المطلق وعرف حقيقة قوله تعالىفَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِفبالضرورة لا يصير توجيه الخطاب الا اليه ولا يمكن ذكر شئ الا لديه فينصرف عنان لسانه نحوه عز جنابه ويصير كلامه منحصرا في خطابه وفوق هذا المقام مقام لا يفي بتقريره الكلام ولا يقدر على تحريره السنة الأقلام بل لا يزيده الكشف إلّا ستراً وخفاء ولا يورثه البيان الا غموضا واعتلاءوان قميصا خيط من نسج تسعة * وعشرين حرفا عن معاليه قاصر