شرح
والوجه في ذلك ، أن الاستفعال - ومنه الاستيطان - وإنّ كان دالّاً على الطلب والقصد كما أشرنا اليه . إلّا أنّه انّما يدلّ على قصد تهيئة المنزل ومحلّ المعيشة .
توضيح ذلك : أنّ مفهوم الوطن لا ينتزع بصرف الاعتبار ، بل يحتاج إلى بعض الإضافات ، والإنتسابات الحاصلة من تهيئة أسباب المعيشة ، والاستراحة والأنس ، وهذه لا تتحقّق إلّا بالقصد والنيّة ، وبالاشتغال بتهيئة بعض تلك الأسباب ، من المنزل وبعض المأكولات وكذا الملبوسات ونحو ذلك ، وهذا هو المراد من الاستيطان الوارد في الروايات .
وأمّا اعتبار قصد عنوان الوطنية ، فلا دليل عليه ، ولا يستفاد من الاستيطان . ولعلّ هذا هو مراد العلّامة البروجردي قدس سره كما ربّما يشهد له ما ذكره بقوله : والحاصل أنّ تتبّع كتب اللّغة واستعمالات العرب يرشدنا إلى أنّ الوطن واشتقاقاته ممّا لم يعتبر في مفهومها قصد العنوان أو قصد الدوام حتى تكون الوطنيّة من العناوين القصديّة الحاصلة بالإنشاء عن قصد . . . « 1 » هذا مع أنّ الاستفعال خالياً عن معنى القصد والطلب قد استعمل كثيراً جدّاً .
منها : لفظة الاستطاعة الّتي هي القدرة الماليّة وغيرها ممّا ذكر في النصوص وليس فيها . معنى الطلب والقصد كما لا يخفى .
ومنها : الاستغراق والاستحباب ونحوها ممّا استعمل في اللّغة خالية عن القصد والطلب .
بل ذكر أبو البقاء في كلّيّاته في باب الألف والسّين ما يقرب من ثلاثين مورداً ليس في أكثرها معنى القصد ، كما يظهر بالمراجعة . وكذا ما ذكره في باب الألف والقاف من أنّ مادة « أقام » لم يعتبر فيه القصد ، فمن شاء فليراجع كليّاته .
وكيف كان فالأقوى ما اختاره العلّامة البروجردي قدس سره من عدم اعتبار قصد التوطّن فضلًا عن قصد الدوام ؛ كيف ؟ وقد تقدّم إطلاق الوطن على مقرّ الإبل والأغنام ، بل يصدق على من غفل عن قصد التوطّن مطلقاً ، كمن دخل جزيرة ويعيش فيها سنين
هامش
( 1 ) . البدر الزاهر ، ص 159 .