شرح
وبين غيرها من البقاع ، فلا جرم يكون محمولًا على التقيّة ، بحيث لو لم تكن لدينا أيّة رواية أُخرى ما عدا هاتين الطائفتين المتعارضتين ، للزم بمقتضى هذه القرينة القاطعة حمل الأمر بالتقصير على التقيّة . . . « 1 » .
وفيه : أنّه إن أراد بالخصوصيّة ما تدلّ عليه أخبار التمام وأنّه ثابت في الأماكن الأربعة لأفضليته ، فيرجع كلامه قدس سره ، إلى ما ذكرنا من كون أخبار التمام منضمّة إلى أخبار التخيير متواتراً إجمالًا ، ومعه لا يبقى وجه للتعارض بينها وبين أخبار القصر ، ليحمل الثاني على التقيّة جمعاً لما أشرنا اليه من أنّ أخبار القصر لا تكون حجّة في قبال أخبار التمام والتخيير .
وإن أراد من الخصوصيّة أمراً آخر ، فإثباتها أوّل الكلام . مع أنّ الحمل على التقيّة فرع تحقّق من يتّقي منه وما يتّقي فيه ، وهما غيرمتحقّقين في المقام .
أمّا الأوّل ، فلأنّ العامّة قائلون بالتخيير بين القصر والإتمام في مطلق السفر وفي الحرمين أيضاً ولا يتحاشون من الإتمام ، لكن أمر الإمام عليه السلام ، شيعته بالقصر تقيّة ومنه يظهر الحال في الثاني كما لا يخفى .
ثمّ قال : ثانيها : ما تقدّم من الروايات الصحيحة الناطقة بأنّ التمام من الأمر المذخور في علم اللّه المخزون ، وأنّه خاص بالشيعة ، وبطبيعة الحال يكون الأمر بالقصر على خلاف ذلك فيكون للتقيّة لا محالة ، أي التقيّة في العمل لا من نفس الأمر ، إذ هي على قسمين :
فتارة : يكون الأمر بنفسه للتقيّة لأجل وجود من يتقّي منه في مجلس التخاطب .
وأخرى : يؤمر بشيء يكون ذلك الشيء لأجل التقيّة . كيلا يعرف الشيعة من غيرهم ، فهو في الحقيقة أمرٌ بالتقيّة ، أي بواقع التقيّة لا بعنوآنها
والمقام من هذا القبيل ، فأمروا شيعتهم بالتقصير لهذه الغاية ، إذ الشيعيّ المقصّر في الطريق وفي القافلة غيره من المخالفين وهم يرونه بطبيعة الحال لو أتمّ عندما بلغ مكّة - مثلًا - وهم يقصرون عرفوا تشيّعه بذلك ، ولعلّ هذا هو السرّ في أنّ جماعة من كبار
هامش
( 1 ) . مستند العروة ، ج 8 ، ص 406 .