وعلت همّتهم ، وقبلت كلمتهم .
فمنها : أنّه ذات يوم مضى إلى معزّ الدولة قبل انتباهه من نومه ، فجلس في الدهليز حتّى انتبه ، فبرز إلى مجلس البادية ، فرآه وسأله عن عدم دخوله ، فأخبره بمنع الحاجب ، فشتم الحاجب وأراد قتله ، فتشفّع فيه ، ثمّ أمر أن لا يحجب قطّ أبدا وفي أيّ وقت كان ولو في مخدعه .
فلم يزل كذلك حتّى مرض معزّ الدولة ، فطلبه ليقرأ عليه ، فمضى بجماعة من كبار الطالبيّين ، فقرأوا عليه وأبو عبد اللّه محمّد يمرّ بيده مسحا عليه ، فلمّا انتبه أخذ بيده وقبّلها ، فشفاه اللّه تعالى ، فأقطعه ضياعا تغلّ في كلّ زمن خمسة آلاف درهم .
وكان دائما تأتيه الكتب من رؤساء الجبل والديلم يلتمسون منه اللحوق بهم ليبايعوه ، فيبذلوا له الأنفس والأموال ، فيعتذرهم مخافة من معزّ الدولة .
وفي سنة . . . خرج معزّ الدولة لقتال ناصر الدولة بن حمدان ، واستخلف ولده عزّ الدولة ببغداد ، فمضى اليه أبو عبد اللّه محمّد ، فلمّا انتهى به المجلس خوطب بخلاف ما صدر من بين الطالبيّين استقصارا به ، فزبر وبرز من حينه مغضبا إلى منزله بباب الشعير على شاطىء الدجلة من الغرب ، وأمر الحجّاب بعدم تردّد الناس اليه لحصول مرض به والأمر ليس كذلك ، بل لتدبير حيلة الخروج وترتيب الأمور .
فبرز لليلتين بقيتا من شهر شوّال سنة ( 353 ) لابسا جبّة صوف بيضاء ، ناشرا مصحفه على صدره ، متقلّدا بسيفه في عنقه ومعه ولده الأكبر وسائر أولاده وعياله وخدّامه وأمواله خلفه ، فقصد بهم الديلم ، فتلقّوه أهلها بالاجلال والاحترام والاعزاز والاعظام والاكرام ، فبايعوه ولقّبوه بالمهدي لدين اللّه والقائم بالحقّ ، فأقام الحدود بنفسه وعظم شأنه واحتوى ديوان عسكره على عشرة آلاف رجل ، فبلغ خبره ابن الناصر لدين اللّه العلويّ أحد كبار قوّاد وشمكر ، فانهزم عنه ، فجهّز
تحفة لب اللباب في ذكر نسب السادة الأنجاب — صفحة 245
مساهمون: ضامن بن شدقم الحسيني المدني
ص٢٤٥