إن الخالق لا يوصف إلا بما وصف به نفسه ، وكيف يوصف الخالق
الذي تعجز الحواس أن تدركه ، والأوهام أن تناله ، والخطرات
أن تحده ، والأبصار الإحاطة به ؟ جل عما يصفه الواصفون ،
نأى ( 1 ) في قربه وقرب في نأيه ، كيف الكيفية فلا يقال له كيف ،
وأين الأين فلا يقال له أين ( 2 ) ، هو منقطع ( 3 ) الكيفية فيه والأينونية ،
فهو ( 4 ) الأحد الصمد كما وصف نفسه والواصفون لا يبلغون نعته ،
لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ( 5 ) .
قال : صدقت يا محمد ، فأخبرني ( 6 ) عن قولك " إنه واحد لا شبيه
له " أليس الله واحد والإنسان واحد ؟ فوحدانيته أشبهت وحدانية
الإنسان .
فقال عليه السلام : الله واحد ( 7 ) وأحدي المعنى ، والإنسان واحد
هامش
( 1 ) نأى عن الشئ نأيا من باب نفع : بعد وانأيته عنه أي أبعدته عنه
( 2 ) في ط ليس كلمة " هو " .
( 3 ) في ط : تنقطع .
( 4 ) في ط : هو .
( 5 ) التوحيد : 3 و 4 .
( 6 ) في ن : أخبرني .
( 7 ) في بعض النسخ " واحد حقيقي إحدى المعنى أي لا جزء ولا تركب
له ، والإنسان واحد ثنائي المعنى مركب من روح وبدن " .
أقول : الفرق بين الواحد والأحد ، قال ابن الأثير : الواحد هو
الفرد الذي لم يزل وحده ولم يكن معه آخر ، قال الأزهري :
الفرق بين الواحد والأحد : إن الأحد بنى لنفي ما يذكر معه من
العدد ، تقول " ما جاءني أحد " ، والواحد اسم بنى لمفتتح العدد تقول
" جاءني واحد من الناس " ولا تقول " جاءني أحد " ، فالواحد منفرد
بالذات في عدم المثل والنظير والأحد منفرد بالمعنى . وقيل : الواحد
هو الذي لا يتجزأ ولا يثنى ولا يقبل الانقسام ولا نظير له ولا مثل ، ولا
يجمع هذين الوصفين إلا الله تعالى . والهمزة في " أحد " بدل من الواو ،
وأصله " وحد " لأنه من الوحدة . وقال الراغب : لا يصح استعمال أحد
في الاثبات .