تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنسان وآفاق المسؤولية — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
وإذا ما طالعنا سورة القيامة المباركة ، نجدها تبدأ بتعظيم يوم القيامة ، حيث تبلى فيه السرائر ويكشف فيه ما كان خافياً في ذهن الإنسان وذاكرته ، بل وحتى ما خفي من أثقال أرضية ، فهو يوم البلاء ويوم الظهور المطلق ويوم الفتنة ويوم المحكمة الكبرى ، حيث تشهد على الإنسان آنذاك جميع جوارحه . والله سبحانه وتعالى أعلن امتناعه عن القسم بيوم القيامة ثم إنه امتنع مرة أخرى عن القسم بالنفس اللوّامة لأنها بمثابة المحكمة الداخلية التي لا مفرّ للإنسان منها ، فهو إذا كان بمستطاعه التهرب من هذا أو ذاك ، فإنه عاجز في حقيقة الأمر عن مراوغة النفس بالمعاذير ، كما هو الحال بالنسبة إلى واقعه تجاه محكمة يوم القيامة . ( لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ * أَ يَحْسَبُ اْلإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ * بَلى قادِرينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ * بَلْ يُريدُ اْلإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ * يَسْئَلُ أَيّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ * فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ اْلإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ * كَلّا لا وَزَرَ * إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ * يُنَبَّؤُا اْلإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ * بَلِ اْلإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقى مَعاذيرَهُ ) ( القيامة / 15 1 ) . وعلى هذا الأساس ؛ فقاعدة الانطلاق والصعود إلى قمة التقوى السامية تبدأ من مكاشفة النفس بذنوبها وأخطائها . . وحريٌ بالإنسان أن يخلو إلى نفسه خلوةً في مسجد من المساجد مثلًا فيجلس إليها ويحاكمها ، حتى يشعر حينها بأن إنساناً آخر يحاوره ، وطرف المحاورة طبعاً هو عقل الإنسان ذاته ونفسه اللوامة التي تذكره بما ارتكبه من ذنوب وموبقات حتى يصل إلى مرحلة الراحة النفسية