وبهذا يتّضح ما في بعض الأخبار أنّ للّه ملائكة لم يشعروا أنّ اللّه خلق عالما ولا آدم .
وما في أخبار أخر : أنّ الملائكة لمّا عرفوا خطأهم في قولهم لاذوا بالعرش « 1 » ، ثمّ قال سبحانه في موضع آخر من كتابه :
وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ
« 2 » .
والمفاتح هو الخزائن أو مفاتيحها ، فعلم آدم إنّما هو علمه سبحانه المحجوب عن الملائكة ، وهذا لا يتحقّق بغير الولاية كما حقّق في محلّه ، فالذي صنعه سبحانه هو أنّه وضع في جبلة آدم الولاية والتخلّق بجميع الأسماء ، والصفات في جميع الأسماء ، وقد حجب عنه الملائكة ولم يصيروا بعد إنباء آدم إيّاهم الأسماء مثل آدم ، وإلّا لم يصحّ الجواب الذي أجاب به سبحانه عنهم ، وهو واضح .
ثمّ اعلم أنّه سبحانه لم يذكر قصّة هذه المخاطبة في كتابه ، في أكثر من موضع واحد من سورة البقرة ، بل بدل هذا التفصيل بنحو قوله سبحانه :
إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ * فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
الآية « 3 » .
فيظهر أنّ قوله :
وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
الآية .
يشتمل على إجمال ما يفصّله قوله سبحانه :
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ . . .
الخ .
ويظهر منه حقيقة هذا الروح الذي نفخه سبحانه ، ووجه تخصيصه بنفسه بقوله :
مِنْ رُوحِي
الآية .
ولم يرد في القرآن إضافة الروح إليه سبحانه إلّا في قصّة آدم ، والباقي على غير هذا النحو من الإضافة كقوله سبحانه :
فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا
« 4 » .
هامش
( 1 ) تفسير القمّي : 1 / 66 .
( 2 ) سورة الأنعام : الآية 59 .
( 3 ) سورة ص : الآيتان 71 و 72 .
( 4 ) سورة مريم : الآية 17 .