تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية ( خصائص السور ) — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
يهزّ القلب البشري ، مشهد اللّيل وهو يطول فيدخل في جسم النّهار ويمتدّ ، والنّهار وهو يطول فيدخل في جسم اللّيل ويمتدّ ، ومشهد الشّمس والقمر مسخّرين في فلكيهما يجريان في حدود مرسومة إلى وقت لا يعلمه إلّا خالقهما . ويتّخذ من هذا المشهد الكونيّ دليله إلى الفطرة على القضية المعهودة ، وهي قضيّة التّوحيد . ثمّ يلمس القلوب بمؤثّر آخر من نعمة اللّه على الناس ، في صورة الفلك الّتي تجري في البحر ، ثمّ يوقفهم أمام منطق الفطرة حينما تواجه هول البحر مجرّدة من غرور القدرة والعلم ، الّذي يبعدها عن بارئها ، ويتّخذ من هذا المنطق دليلا على قضيّة التوحيد .
وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ( 32 )
. وبمناسبة موج البحر وهوله ، يذكّرهم بالهول الأكبر ، وهو يقرّر قضيّة الآخرة ، الهول الّذي يفرّ فيه الوالد من ولده ، والولد من والده :
إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا
[ الآية 33 ] . وتختم السورة بآية تقرّ القضايا الّتي عالجتها في إيقاع قويّ عميق مرهوب ، فتذكّر أن اللّه جلّ جلاله ، استأثر بخمس لا يعلمهنّ سواه :
إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ( 34 )
. هذه الجولات الثلاث بأساليبها ومؤثّراتها ودلائلها وآياتها نموذج من أسلوب القرآن الكريم في معالجة القلوب ، هذا الأسلوب المختار من خالق هذه القلوب ، العليم بمداخليها ، الخبير بما يصلح لها ، وما تصلح به من الأساليب .