تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
فن من الكلام ، ويتناقضون مع أنفسهم ، فقد يمدحون الشيء بعد أن ذموه ، وبالعكس ، وقد يعظمونه بعد أن استحقروه وبالعكس ، وذلك يدل على أنهم لا يقصدون إظهار الحق ، ولا إعلان الصدق ، فهم قوم خياليون عاطفيون ، أما محمد صلّى اللّه عليه وسلم فلا يقول إلا الحق ولا يأمر إلا بالصدق ، ويدعو إلى طريق واحد وهو الدعوة إلى اللّه تعالى ، والترغيب في الآخرة ، والإعراض عن الدنيا غير المفيدة . 2 -
وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ
أي أن أكثر قولهم الكذب ، فإنهم يتبجحون بأقوال وأفعال لم تصدر عنهم ، وهذا أيضا من علامات الغواة ، فإنهم يرغّبون في الجود ويرغبون عنه ، وينفّرون عن البخل ويصرّون عليه ، ويقدحون في الأعراض لأدنى سبب ، ولا يرتكبون إلا الفواحش ، أما النبي محمد صلّى اللّه عليه وسلم فعلى خلاف ذلك ، لا يأمر بالشيء إلا وقد فعله ، ولا ينهى عن الشيء إلا وقد اجتنبه ، يأمره ربه بإخلاص العبادة له أولا :
فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ ، فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ
ولا يستثني قرابته من شيء من التكاليف الشرعية أو المدنية أو السياسية :
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ
. فمنهج الشعراء مخالف لحال النبوة ، فإنها طريقة واحدة لا يتبعها إلا الراشدون ، ودعوة الأنبياء واحدة ، وهي الدعاء إلى توحيد اللّه وعبادته والترغيب في الآخرة والصدق « 1 » . ثم استثنى اللّه تعالى من الشعراء من اتصف بصفات أربع هي الإيمان ، والعمل الصالح ، وذكر اللّه وتوحيده ، ونصرة الحق وأهله ، فقال :
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ، وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ، وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً ، وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا
أي إلا الذين صدقوا باللّه ورسوله ، وعملوا الأعمال الصالحة ، وذكروا اللّه كثيرا في كلامهم أو شعرهم ، ودافعوا عن النبي ودينه وقاوموا الشرك وأهله ، مثل حسان بن ثابت ، وعبد اللّه بن رواحة ، وكعب بن مالك ،
هامش
( 1 ) البحر المحيط : 7 / 49 .