تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 574

مساهمون:

ص٥٧٤
والذلّة التي وصف القرآن بها المسلمين هنا ليست ذلّة نفسيّة ، ولا ضعفا قلبيا ، وإنما هي ذلّة حاجة وعوز ، وقلة في المال والرجال ، بحيث يخفّ ميزان أصحابها في أعين الناس ، حين ينظرون إلى ظاهرهم هذا . . فوصف المؤمنين بالذلّة هنا ، إنما هو وصف للحال الظاهر منهم للناس . . أما في حقيقة أنفسهم ، فهم من إيمانهم باللّه ، وثقتهم فيه ، وتوكلهم عليهم واستعلائهم على حاجات الجسد ، ومتاع الحياة - هم في عزّة عزيزة ، تستخف بكل قوى المادة وعتوّها . وقوله تعالى :
« فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ »
تعقيب على هذه النعمة التي أنعم اللّه بها على النبىّ وأصحابه ، يوم بدر ، فمكّن لهم من رقاب أعدائهم ، ومنحهم النصر عليهم ، ذلك النصر الذي لم يتوقعه أحد . . فحقّ على المؤمنين أن يزداد إيمانهم باللّه ، وإقبالهم عليه ، حتى يبلغ بهم هذا الإيمان وذلك الإقبال منازل المتقين ، وعن هذه التقوى يكون الشكران للّه على ما أنعم عليهم . . بل إن هذه التقوى في صميمها هي شكران للّه أعظم الشكران وأكمله ، فما شكر اللّه ، ولا حمده ، ولا عرف فضله وقدره من لم يتّقه حق تقواه ، فيأتي ما استطاع من أوامره ، ويجتنب ما استطاع من نواهيه . فإنه بغير التقوى تكون العبادات والطاعات مجرّد مظاهر جوفاء ، لا ثمرة لها ، ولا جزاء عليها . . واللّه سبحانه وتعالى يقول :
« إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ »
( 27 : المائدة ) . وقوله سبحانه :
« إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ »
هو عرض وتذكير لما كان في يوم بدر من أمداد السماء للمسلمين ، حين بشرهم الرسول - صلوات اللّه وسلامه عليه - بأن اللّه ممدّهم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين من عالمهم العلوىّ ، ليشاركوا في