أربعمائة ، يضعفها له كل سنة أو يقضيه » « 1 » . ولعل هذا ما تقتضيه طبيعية النظام الربوي الذي يستغل حاجة المدين وظروفه الضيّقة التي قد لا تسمح له بالوفاء في الموعد المحدّد ، لا سيما في الأجواء الربوية التي قد تجعل الإنسان يستدين أكثر من طاقته ، لأنه يجد الدين سهلا يوحي بالامتداد ، فيؤدي ذلك إلى استيفاء الدائن دينه أضعافا مضاعفة ، وهذا ما نجده في الأوضاع المعاصرة التي يفرضها النظام الربوي ، سواء في ذلك الديون التي تحصل بين الناس على مستوى الأفراد ، أو التي تحصل على مستوى الدول ، فإن المدين قد ينفق كل عمره في الجهد والعمل من دون أن يستطيع وفاء الرّبا ، فضلا عن أصل الدين لتضاعف ذلك عليه . وفي ضوء ذلك ، قد نفهم من الآية أنها ليست واردة في معالجة هذه الحالة بالذات ، بل هي واردة في الإيحاء بالنتائج الطبيعية للنظام الربوي التي تتمثل في تضعيف المبلغ الذي يستدينه الإنسان إلى عدّة أضعاف .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً
؛ وبذلك تبطل حجّة الذين أرادوا أن يفهموا منها اختصاص حرمة الربا في الإسلام بالرّبا الفاحش الذي تزيد به الفائدة عن مثل الشيء لتكون ضعفا له بل أكثر . وقد نضيف إلى ذلك ، أن اختصاص الآية بما ذكر لا يوجب اختصاص حرمة الرّبا به ، لأنّ آية سورة البقرة :
وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا
[ البقرة : 275 ] كانت شاملة لجميع موارده ، ولا موجب لتخصيص إحداهما بالأخرى ، لأنّ من الممكن أن تكون هذه الآية جارية على أسلوب التشديد بهذا النموذج الفاحش من الربّا . . . ونزيد على ذلك ، أن الانسجام مع المدلول الحرفي لهذه الآية يفرض علينا أن نلتزم به ، فلا بدّ حينئذ من أن يكون واردا في الاتجاه الذي ذكرناه من التأكيد على النتائج الطبيعية للنظام الربوي ، واللّه العالم بأسرار آياته وأحكامه .
هامش
( 1 ) الطبري ، ابن جرير ، جامع البيان عن تأويل آي القرآن ، دار الفكر ، بيروت - لبنان ، 1415 ه - 1995 م ، م : 3 ، ج : 4 ص : 120 .