ثمّ ذكر سبحانه أهوال البعث بعد الموت بقوله :
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ
النفخة الثانية ، وهي نفخة البعث والنشور ، فيقول لهم الملك تهويلا :
ذلِكَ
الوقت الذي بعثتم فيه
يَوْمُ
إنجاز
الْوَعِيدِ
الذي أوعدكم اللّه على لسان رسله به من العذاب والأهوال
وَجاءَتْ
من القبور إلى المحشر
كُلُّ نَفْسٍ
من النفوس البرّة والفاجرة و
مَعَها
ملك
سائِقٌ
له يسوقه إلى المحشر ، وإن اختلفت كيفية سوق المؤمن والكافر ، والمطيع والعاصي
وَ
ملك
شَهِيدٌ
على أعمالها أنّها خير تستحقّ بها الجنّة ، أو شرّ تستحق بها النار .
وفي ( نهج البلاغة ) : « سائق يسوقها إلى المحشر ، وشاهد يشهد عليها بعملها » « 1 » .
قيل : إنهما الملكان الكاتبان « 2 » . وقيل : ملك واحد يسوقها ويشهد على عملها « 3 » . وقيل : السائق ملك ، والشهيد جوارحه « 4 » .
ثمّ يقال لذلك المسوق :
لَقَدْ كُنْتَ
في الدنيا غائرا
فِي غَفْلَةٍ
عظيمة
مِنْ هذا
اليوم وما فيه من الأهوال
فَكَشَفْنا
وأزلنا
عَنْكَ
غفلتك التي كانت
غِطاءَكَ
وحجابك الذي يمنعك عن اليقين بمجيء هذا اليوم ، ويحتمل كون المراد من الغطاء الجهل والشهوة وحبّ الدنيا
فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ
لانكشاف الغطاء عنه
حَدِيدٌ
ونافذ ، تبصر ما كنت منكره وتستبعده وتتعجّب ممّن يخبر به ، ولكن لا ينفعك اليوم إبصار
وَقالَ
الملك الذي هو
قَرِينُهُ
في الدنيا يكتب أعماله ، أو الملك الشهيد عليه ، كما عنهما عليهما السّلام « 5 » :
هذا
الكتاب الذي فيه أعمالك
ما لَدَيَّ
وهو الذي عندي
عَتِيدٌ
وحاضر ، أو مهيّأ جميعا للعرض .
وقيل : إنّ المراد بالقرين الشيطان المقيّض له « 6 » . يقول هذا الشخص العاصي الطاغي : ما لدي والذي عندي وفي ملكتي ومقدوري عتيد ومهيأ لورود جهنّم ، قد هيأته له بإغوائي وإضلالي ، فيقول اللّه تعالى للسائق والشهيد ، أو الملكين من خزنة النار :
أَلْقِيا
أيّها الملكان
فِي جَهَنَّمَ
هذا الكافر
هامش
( 1 ) . نهج البلاغة : 116 ، الخطبة 85 ، تفسير الصافي 5 : 61 .
( 2 ) . تفسير روح البيان 9 : 121 .
( 3 و 4 ) . تفسير البيضاوي 2 : 422 .
( 5 ) . مجمع البيان 9 : 220 ، تفسير الصافي 5 : 62 .
( 6 ) . تفسير أبي السعود 9 : 131 ، وفي النسخة : المقبض له .