تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 537

مساهمون:

ص٥٣٧
عند كل سامع ، حقيقة أو ادعاء ) ومنها - جعل ما هو الغاية من الكراهة موصولا بالمحبة . ومنها - إسناد الفعل إلى ( أحدكم ) والإشعار بأن أحدا من الأحدين لا يحب ذلك . ومنها - أن لم يقتصر تمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان ، حتى جعل الإنسان أخا . ومنها - أن لم يقتصر على أكل لحم الأخ ، حتى جعل ميتا . انتهى . وقال ابن الأثير في ( المثل السائر ) في بحث الكناية : فمن ذلك قوله تعالى
أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ
إلخ فإنه كنى عن الغيبة بأكل الإنسان لحم إنسان آخر مثله ، ثم لم يقتصر على ذلك حتى جعله ميتا ، ثم جعل ما هو الغاية من الكراهة موصولا بالمحبة . فهذه أربع دلالات واقعة على ما قصدت له ، مطابقة للمعنى الذي وردت من أجله . فأما جعل الغيبة كأكل لحم الإنسان لحم إنسان آخر مثله ، فشديد المناسبة جدا ، لأن الغيبة إنما هي ذكر مثالب الناس ، وتمزيق أعراضهم . وتمزيق العرض مماثل لأكل الإنسان لحم من يغتابه ، لأن أكل اللحم تمزيق على الحقيقة . وأما جعله كلحم الأخ فلما في الغيبة من الكراهة ، لأن العقل والشرع مجتمعان على استكراهها ، آمران بتركها ، والبعد عنها . ولما كانت كذلك جعلت بمنزلة لحم الأخ في كراهته . ومن المعلوم أن لحم الإنسان مستكره عند إنسان آخر ، إلا أنه لا يكون مثل كراهة لحم أخيه . فهذا القول مبالغة في استكراه الغيبة . وأما جعله ما هو في الغاية من الكراهة موصولا بالمحبة ، فلما جبلت عليه النفوس من الميل إلى الغيبة ، والشهوة لها ، مع العلم بقبحها فانظر أيها المتأمل إلى هذه الكناية تجدها من أشد الكنايات شبها ، لأنك إذا نظرت إلى كل واحدة من تلك الدلالات الأربع التي أشرنا إليها ، وجدتها مناسبة لما قصدت له . انتهى . الثانية - الفاء في قوله تعالى
فَكَرِهْتُمُوهُ
فصيحة في جواب شرط مقدّر . والمعنى : إن صح ذلك ، أو عرض عليكم هذا ، فقد كرهتموه ، فما ذكر جواب للشرط ، وهو ماض فيقدر معه ( قد ) ليصح دخول الفاء على الجواب الماضي ، كما في قوله تعالى :
فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ
[ الفرقان : 19 ] ، وضمير
فَكَرِهْتُمُوهُ
للأكل ، وقد جوز كونه للاغتياب المفهوم منه . والمعنى : فاكرهوه كراهيتكم لذلك الأكل . وعبر عنه بالماضي للمبالغة ، فإذا أوّل بما ذكر يكون إنشائيا غير محتاج لتقدير ( قد ) - أفاده الشهاب - . الثالثة - قال ابن الفرس : يستدل بالآية على أنه لا يجوز للمضطر أكل ميتة