وقال ابن كثير : هذه وصية من اللّه عز وجل لولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحق المنزل من عنده تبارك وتعالى . ولا يعدلوا عنه فيضلوا عن سبيل اللّه . وقد توعد تبارك وتعالى من ضل عن سبيله وتناسى يوم الحساب ، بالوعيد الأكيد والعذاب الشديد . روى ابن أبي حاتم عن أبي زرعة ، أن الوليد بن عبد الملك قال له : أيحاسب الخليفة ، فإنك قد قرأت الكتاب الأول وقرأت القرآن وفقهت ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين ؟ أقول ؟ قال : قل في أمان . قلت : يا أمير المؤمنين ! أنت أكرم على اللّه أو داود عليه الصلاة والسلام ؟ إن اللّه تعالى جمع له النبوة والخلافة . ثم توعده في كتابه قال تعالى :
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ
الآية .
وقال الرازي : اعلم أن الإنسان خلق مدنيّا بالطبع . لأن الإنسان الواحد لا تنتظم مصالحه إلا عند وجود مدينة تامة . حتى هذا يحرث وذاك يطحن وذلك يخبز وذلك ينسج والآخر يخيط . وبالجملة ، فيكون كل واحد منهم مشغولا بمهمّ . وينتظم من أعمال الجميع مصالح الجميع . فثبت أن الإنسان مدنيّ بالطبع . وعند اجتماعهم في الموضع الواحد يحصل بينهم منازعات ومخاصمات ، ولا بد من إنسان قادر قاهر يقطع تلك الخصومات ويفصل تلك الحكومات . وذلك هو السلطان الذي ينفذ حكمه على الكل . فثبت أنه لا تنتظم مصالح الخلق إلا بسلطان قاهر سائس . ثم إن ذلك السلطان القاهر السائس . إن كان حكمه على وفق هواه ولطلب مصالح دنياه ، عظم ضرره على الخلق . فإنه يجعل الرعية فداء لنفسه ، ويتوسل بهم إلى تحصيل مقاصد نفسه . وذلك يفضي إلى تخريب العالم ووقوع الهرج والمرج في الخلق .
وذلك يفضي بالآخرة إلى هلاك ذلك الملك . أما إذا كانت أحكام ذلك الملك مطابقة للشريعة الحقة الإلهية ، انتظمت مصالح العالم واتسعت أبواب الخيرات على أحسن الوجوه : فهذا هو المراد من قوله :
فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ
يعني لا بد من حاكم بين الناس بالحق . فكن أنت ذلك . ثم قال :
وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
الآية ، وتفسيره أن متابعة الهوى توجب الضلال عن سبيل اللّه ، والضلال عن سبيل اللّه يوجب سوء العذاب . فينتج أن متابعة الهوى توجب سوء العذاب . انتهى .
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة ص ( 38 ) : آية 27 ]
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ( 27 )
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا
أي خلقا باطلا ، لا حكمة فيه . أو