تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 1 إلى 4 ]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالصَّافَّاتِ صَفًّا ( 1 ) فَالزَّاجِراتِ زَجْراً ( 2 ) فَالتَّالِياتِ ذِكْراً ( 3 ) إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ ( 4 )
وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِراتِ زَجْراً فَالتَّالِياتِ ذِكْراً إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ
افتتح تعالى هذه السورة بالقسم ببعض مخلوقاته ، إظهارا لعظم شأنها وكبر فوائدها . وتنبيها إلى الاعتبار بصفتها وما تستدعيه من سمتها . و ( الصافات ) جمع صافة ، أي طائفة صافة ، أو جماعة صافة . فيكون في المعنى جمع الجمع . أو على تأنيث مفردة باعتبار أنه ذات ونفس ، والمراد بالصفات الملائكة . لقيامها مصطفة في مقام العبودية لمالك الملك . من قوله تعالى :
وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ
[ الصافات : 165 ] ، أو لصفها أجنحتها في الهواء واقفة منتظرة لأمر اللّه تعالى . و
فَالزَّاجِراتِ
أي : الناس عن المعاصي ، بإلهام الخير . من ( الزجر ) بمعنى المنع والنهي . أو الزاجرات الأجرام العلوية والسفلية بالتدبير المأمور به . من ( الزجر ) بمعنى السوق والحث . و ( التاليات ) أي : آياته تعالى على أنبيائه عليهم السلام ، وقيل : الصافات الطير . من قوله تعالى :
وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ
[ النور : 41 ] ، و ( الزاجرات ) ، كل ما زجر عن معاصي اللّه . و ( التاليات ) كل من تلا كتاب اللّه . أو هم العلماء الصافون في العبادات أقدامهم ، الزاجرون عن الكفر والفسوق بالحجج والنصائح ، التالون آيات اللّه وشرائعه . أو هم الغزاة الصافون في الجهاد والزاجرون الخيل أو العدوّ ، التالون لذكر اللّه ، لا يشغلهم فيها عنه مبارزة العدوّ . وقد ذكر غير هذا ، مما يشمله اللفظ ولا يأباه . وبالجملة ، فالعطف إما لاختلاف الذوات أو الصفات . وإيثار الفاء على ( الواو ) لقصد الترتيب والتفاضل طردا أو عكسا . أما الأول فاعتناء بالأهم فالأهم . وأما الثاني فالترقي إلى الأعلى . و ( صفا ) و ( زجرا ) مصدر مؤكد . وكذا ( ذكرا ) ويجوز فيه كونه مفعولا به . قال الناصر : وفي هذه الآية دلالة على مذهب سيبويه والخليل في مثل
وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى
[ الليل : 1 - 2 ] ، فإنهما يقولان : الواو الثانية وما بعدها عواطف . وغيرهما يذهب إلى أنها حروف قسم . فوقوع الفاء في هذه الآية موقع