تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 38 إلى 39 ]

فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 38 ) وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ( 39 )
فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ
أي من البر والصلة . واستدل به أبو حنيفة رحمه اللّه على وجوب النفقة للمحارم إذا كانوا محتاجين عاجزين عن الكسب . لأن ( آت ) أمر للوجوب . والظاهر من ( الحق ) بقرينة ما قبله أنه ماليّ ، وهو استدلال متين
وَالْمِسْكِينَ
وهو الذي لا شيء له ينفق عليه . أو له شيء لا يقوم بكفايته
وَابْنَ السَّبِيلِ
أي السائل فيه ، والذي انقطع به . وحقهما هو نصيبهما من الصدقة والمواساة
ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ
أي النظر إليه يوم القيامة . وهو الغاية القصوى . أو يريدون ذاته بمعروفهم لا رياء ولا سمعة ، ولا مكافأة يد . كما قال تعالى
الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى
[ الليل : 18 - 20 ] ،
وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
أي في الدنيا والآخرة
وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً
أي مال ترابون فيه
لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ
أي ليزيد في أموالهم ، إذ تأخذون فيه أكثر منه
فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ
أي لا يزكو ولا ينمو ولا يبارك فيه . بل يمحقه محق ما لا عاقبة له عنده إلا الوبال والنكال . وذكر في تفسيرها معنى آخر ، وهو أن يهب الرجل للرجل ، أو يهدي له ليعوّضه أكثر مما وهب أو أهدى . فليست تلك الزيادة بحرام . وتسميتها ربا مجاز ، لأنها سبب الزيادة . قال ابن كثير : وهذا الصنيع مباح وإن كان لا ثواب فيه . إلا أنه نهى عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خاصة ، قال الضحاك ، واستدل بقوله تعالى :
وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ
[ المدثر : 6 ] ، أي لا تعط العطاء ، تريد أكثر منه . وقال ابن عباس : الربا رباءان ، فربا لا يصح ، يعني ربا البيع ، وربا لا بأس به ، وهو هدية الرجل ، يريد فضلها وإضعافها . انتهى . وأقول : في ذلك كله نظر من وجوه : الأول - أن هذه الآية شبيهة بآية
يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ
[ البقرة : 276 ] ، وهي في ربا البيع الذي كان فاشيا في أهل مكة حتى صار ملكة راسخة فيهم ، امتصوا بها ثروة كثير من البؤساء ، مما خرج عن طور الرحمة والشفقة والكمال