التقرير البليغ ، دلالة غير خفية على من هو من الفريقين على الهدى ، ومن هو في الضلال المبين ، ولكن التعريض والتورية أفضل بالمجادل إلى الغرض ، وأهجم به على الغلبة مع قلة شغب الخصم وقل شوكته بالهوينا ، ونحوه قول الرجل لصاحبه : علم اللّه الصادق مني ومنك ، وإن أحدنا لكاذب .
ومنه بيت حسان :
اتهجوه ولست له بكفء * فشرّكما لخيركما الفداء
انتهى .
قال الناصر : وهذا تفسير مهذب وافتنان مستعذب ، رددته على سمعي فزاد رونقا بالترديد . واستعاده الخاطر ، كأني بطيء الفهم حين يفيد ، ولا ينبغي أن ينكر بعد ذلك على الطريقة التي أكثر تعاطيها متأخرو الفقهاء في مجادلاتهم ومحاوراتهم .
وذلك قولهم : أحد الأمرين لازم على الإبهام . فهذا المسلك من هذا الوادي غير بعيد ، فتأمله ، واللّه الموفق . انتهي .
قال الشهاب : وهذا فن من فنون البلاغة يسمى ( الكلام المنصف ) . وقيل إن الآية على اللف والنشر المرتب . ونظر فيه بأنه لو قصد اللف بأن يكون على هدى راجعا لقوله :
وَإِنَّا
و
أَوْ فِي ضَلالٍ
راجعا ل
إِيَّاكُمْ
كان العطف بالواو لا بأو .
وكونها بمعنى الواو كما في قوله :
سيّان كسر رغيفه * أو كسر عظم من عظامه
بعيد جدا . إلّا أنه قيل : لو جعل فيه إيماء لذلك لم يبعد . وإيثار ( على ) في الهدى و ( في ) في مقابله ، للدلالة على استعلاء صاحب الهدى وتمكنه واطلاعه على ما يريد ، كالواقف على مكان عال ، أو الراكب على جواد . وانغماس الضال في ضلاله حتى كأنه في مهواة مظلمة .
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 25 ]
قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 25 )
قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ
أي قل لهؤلاء المشركين :
لا تسألون عما أجرمنا من جرم وركبنا من إثم ، ولا نسأل نحن عما تعملون من عمل .