وأعود هنا إلى بسط المسألة وفاء بالوعد فأقول
الضمير المنصوب في افتراه يعود إلى القرآن للعلم به من سياق تبليغه وقد حكى عنهم هذه التهمة في سور أخرى منها ما تقدم قريبا في سورة يونس ، وفيها وجهان ( 1 ) انه افتراه في جملته باسناده إلى اللّه تعالى وادعائه انه كلامه أوحاه اليه وقدمت الجواب عنه آنفا ( 2 ) انه افترى أخباره التي يدعي انها من عند اللّه إذ لا يعلمها غيره وقد استدل بها على نبوته كما بينته في مباحث الوحي وفي تفسير آية يونس . وقد حكى الامرين عنهم في سورة الفرقان بقوله ( 25 : 4
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا : إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ، فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً ( 5 ) وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ( 6 ) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً
) فأساطير الأولين قصصهم وأكاذيبهم التي سطروها ، وكانت العرب تسلي نفسها عن جهلها بالأديان والتواريخ بزعمهم أنها خرافات وأكاذيب ، فالتحدي بالسور العشر هو الذي يفند هاتين التهمتين الموجهتين اليه صلّى اللّه عليه وسلّم بأنهض حجة علمية عملية ، لا جدلية
وبيانه أن هذا التحدي بالعشر يثبت به من بطلان دعواهم ما لا يثبت بالعجز عن سورة واحدة ، ولا سيما إذا كانت قصيرة ، ولهذا حسن مجيئه بعد التحدي بسورة واحدة مطلقا ، خلافا لرأي الجمهور الذين غفلوا عن هذا المعنى فظنوا أن التحدي بالعشر بعد العجز عن الواحدة لا وجه له ، لأن من عجز عن واحدة كان أعجز عن اثنتين فضلا عن عشر ، فتفصوا من هذا بدعوى الترتيب المتقدم ، وهو إنما يصح إذا كان موضوع التحدي متحدا مطلقا وهو هنا مختلف ومقيد
ذلك بأن افتراء الاخبار المدعى في القرآن نوعان ( أحدهما ) أنباء الغيب الماضية وهي قسمان ( 1 ) قصص الرسل مع أقوامهم وقد تحدى بها من ناحية كونها غيبا لم يسبق له صلّى اللّه عليه وسلّم علم بها كما بيناه في محله ومنه ما يأتي التصريح به في هذه السورة وما بعدها وفي غيرهما ( 2 ) اخبار التكوين كخلق السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما كخلق الانسان والجان ، ولا أذكر انه صرح بالتحدي بها