تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1868

مساهمون:

ص١٨٦٨
« وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ »
. . ينصرونهم أو يمنعونهم من اللّه . إنما تركهم لعذاب الآخرة ، ليستوفوا عذاب الدنيا وعذاب الآخرة :
« يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ »
. . فقد عاشوا معطلي المدارك مغلقي البصائر ؛ كأن لم يكن لهم سمع ولا بصر :
« ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ »
. .
« أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ »
. . وهي أفدح الخسارة ، فالذي يخسر نفسه لا يفيد شيئا مما كسب غيرها وأولئك خسروا أنفسهم فأضاعوها في الدنيا ، لم يحسوا بكرامتهم الآدمية التي تتمثل في الارتفاع عن الدينونة لغير اللّه من العبيد . كما تتمثل في الارتفاع عن الحياة الدنيا والتطلع - مع المتاع بها - إلى ما هو أرقى وأسمى . وذلك حين كفروا بالآخرة ، وحين كذبوا على ربهم غير متوقعين لقاءه . وخسروا أنفسهم في الآخرة بهذا الخزي الذي ينالهم ، وبهذا العذاب الذي ينتظرهم . .
« وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ »
. . غاب عنهم فلم يهتد إليهم ولم يجتمع عليهم ما كانوا يفترونه من الكذب على اللّه . فقد تبدد وذهب وضاع .
« لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ »
. . الذين لا تعدل خسارتهم خسارة . وقد أضاعوا أنفسهم دنيا وأخرى . وفي الجانب الآخر أهل الإيمان والعمل الصالح ، المطمئنون إلى ربهم الواثقون به الساكنون إليه لا يشكون ولا يقلقون :
« إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ . وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ ، أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ »
. . والإخبات الطمأنينة والاستقرار والثقة والتسليم . . وهي تصور حال المؤمن مع ربه ، وركونه إليه واطمئنانه لكل ما يأتي به ، وهدوء نفسه وسكون قلبه ، وأمنه واستقراره ورضاه :
« مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ . هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا ؟ »
. . صورة حسية تتجسم فيها حالة الفريقين . والفريق الأول كالأعمى لا يرى وكالأصم لا يسمع - والذي يعطل حواسه وجوارحه عن الغاية الكبرى منها ، وهي أن تكون أدوات موصلة للقلب والعقل ، ليدرك ويتدبر فكأنما هو محروم من تلك الجوارح والحواس - والفريق الثاني كالبصير يرى وكالسميع يسمع ، فيهديه بصره وسمعه .
« هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا ؟ »
. . . سؤال بعد الصورة المجسمة لا يحتاج إلى إجابة لأنها إجابة مقررة .
« أَ فَلا تَذَكَّرُونَ »
. . فالقضية في وضعها هذا لا تحتاج إلى أكثر من التذكر . فهي بديهية لا تقتضي التفكير . . وتلك وظيفة التصوير الذي يغلب في الأسلوب القرآني في التعبير . . أن ينقل القضايا التي تحتاج لجدل فكري إلى بديهيات مقررة لا تحتاج إلى أكثر من توجيه النظر والتذكير . .