أو بالذي جعل لكم إن استأنفت به على أنه نهي وقع خبرا على تأويل مقول فيه لا تجعلوا والفاء للسببية أدخلت عليه لتضمن المبتدأ معنى الشرط والمعنى أنّ من خصكم بهذه النعم الجسام والآيات العظام ينبغي أن لا يشرك به والندّ المثل المناوي قال جرير :
شرح
قوله بلعل أي متعلق بالذي إن جعلته مبتدأ وجملة فلا تجعلوا خبره كما صرّح به بقوله على أنه الخ ، فالاستئناف بالمعنى اللغوي أي جعله مبتدأ أو بالمعنى الاصطلاحي لأنّ الاستئناف بسببه وليس هذا معنى ما في الكشاف من قوله أو بالذي جعل لكم إذا رفعته على الابتداء أي هو الذي حفكم بهذه الآيات العظيمة والدلائل النيرة الشاهدة بالوحدانية فلا تتخذوا له شركاء لأن معناه أنه جعل الذي مرفوعا مدحا على أنه خبر لمبتدأ محذوف ، والنهي مترتب على ما تتضمنه هذه الجملة أي هو الذي حفكم بدلائل التوحيد فلا تشركوا به شيئا ومن توهم أنه بعينه ما في الكشاف وأنّ المصنف رحمه اللّه غفل عما أراده فقد وهم وقوله على تأويل مقول فيه أي مستحق لأن يقال فيه ذلك لا أنه وقع ومقول قبله كما لا يخفى ، وهذا تأويل مشهور في كل إنشاء وقع في موقع الخبر ، والفاء زائدة في الخبر مشعرة بالسببية لما ذكره ، وقوله والمعنى من خصكم بالصاد المهملة أي خص نوع البشر بما ذكر ، وفي نسخة حفكم بالفاء أي شمل وعمّ الناس لأنّ الحف معناه الإحاطة فعلى ما ذكره المصنف لا يخلو من ركاكة وتكلف والأولى ما في الكشاف وجعل هذا جزاء شرط محذوف والمعنى هو الذي جعل لكم ما ذكر من النعم الظاهرة المتكاثرة وإذا كان كذلك فلا تجعلوا الخ . وذكر المصنف له لأنه من جملة المحتملات وتأخيره المشعر بمرجوحيته في الجملة لا ينافيه وما قيل ردا عليه من أنه في غاية الحسن والرصافة كما يظهر لمن تأمّل قوله والمعنى الخ دعوى بغير بينة ، وقوله يشرك به بفتح الراء مبنيّ للمجهول ، وتقديم للّه يجوز أن يكون للحصر كما يفيده تقديم بعض المعمولات على بعض وحقها التأخير لأنّ عدم الندّ مخصوص به تعالى إذ ما من شيء سواه إلا وله نظير وندّ ، وقيل لأنه خبر نكرة في الأصل لازم التقديم فأجرى على أصله وفيه نظر . قوله : ( والندّ المثل الخ ) المناوي بضم الميم وكسر الواو واسم فاعل من ناواه والمراد به كما فسره الشارح المعادي وأصله من النوى وهو البعد فكني به أو تجوّز به عن المعاداة لأن العدوّ يتباعد من عدوّه ويهوي بعده ومفارقته ، ولما فسر أهل اللغة الندّ بالمثل بالمثل كما قاله ابن فضالة ، وفسره أبو عبيد بالضدّ حتى جعله بعضهم من الأضداد أشار العلامة في الكشاف إلى اتحادهما وأنه مثل مخصوص فمنهم من أطلق ومنهم من قيد وفي العين الندّ ما كان مثل الشيء الذي يضادّه في أموره ويقال ندّ ونديد ونديدة وأجازوا في أندادا أن يكون جمعا لنديد أو ندّ كيتيم وأيتام وعدل وأعدال ، وقال الراغب ندّ الشيء مشاركه في جوهره وذلك ضرب من المماثلة فإنّ المثل يقال في أيّ مشاركة كانت وكل ندّ مثل وليس كل مثل ندّا ، وهو من ندّ إذا نقر وقرئ يوم التناد أي يندّ بعضهم من بعض نحو يوم يفرّ المرء ، فالندّ يقال في المشارك في الجوهرية فقط ، والشكل فيما يشارك في القدر والمساحة والشبه فيما يشارك في الكيفية فقط والمساوي فيما يشارك في الكمية فقط والمثل عامّ في جميع ذلك انتهى . وعلى هذا ينزل كلام المصنف رحمه اللّه ،