تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
أحدها : إجراؤهم لها مجرى أولي العلم في عبادتهم إيّاها ، واعتقاد أنّها تضرّ ، وتنفع كقول الشاعر : [ الطويل ]
3308 - بكيت إلى سرب القطا إذ مررن بي * فقلت : ومثلي بالبكاء جدير
أسرب القطا هل من يعير جناحه ؟ * لعلّي إلى من قد هويت أطير « 1 »
فأوقع « من » على السرب ، لمّا عاملها معاملة العقلاء . الثاني : المشاكلة بينه وبين « من يخلق » . [ الثالث : تخصيصه بمن يعلم ، والمعنى : أنه إذا حصل التباين بين من يخلق ] وبين « من لا يخلق » من أولي العلم ، وأنّ غير الخالق لا يستحقّ العبادة البتة ، فكيف يستقيم عبادة الجماد المنحطّ رتبة ، السّاقط منزلة عن المخلوق من أولي العلم ؛ كقوله تعالى :
أَ لَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها
[ الأعراف : 195 ] إلى آخره ؛ وأمّا من يجيز إيقاع « من » على غير العقلاء من غير شرط كقطرب فلا يحتاج إلى تأويل . قال الزمخشري « 2 » - رحمه اللّه - : فإن قلت : هو إلزام للذين عبدوا الأوثان ، ونحوها ؛ تشبيها باللّه تعالى - جلّ ذكره - وقد جعلوا غير الخالق مثل الخالق - سبحانه لا إله إلا هو - فكان حقّ الإلزام أن يقال لهم : أفمن لا يخلق كمن يخلق . قلت : حين جعلوا غير اللّه مثل اللّه عز وجل ، بتسميتهم والعبادة له ، جعلوا اللّه من جنس المخلوقات ، وتشبيها بها ، فأنكر عليهم ذلك بقوله :
أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ
.

فصل في الاحتجاج بالآية

احتجّ أهل السنّة بهذه الآية على أنّ العبد غير خالق لأفعال نفسه ؛ لأنّه سبحانه - عز وجل - ميّز نفسه عن الأشياء التي يعبدونها بصفة الخالقية ؛ لأنّ الغرض من قوله تعالى :
أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ
بيان تميّزه عن الأصنام بصفة الخالقية ، وأنّه إنّما يستحق الإلهية ، والمعبوديّة ؛ لكونه خالقا ، وهذا يقتضي أنّ العبد لو كان خالقا لشيء ؛ وجب أن يكون إلها معبودا ، ولما كان ذلك باطلا ، علمنا أنّ العبد لا يقدر على الخلق ، والإيجاد . أجاب المعتزلة من وجوه : الأول : المراد من قوله تعالى
أَ فَمَنْ يَخْلُقُ
ما تقدم ذكره من السماوات والأرض ، والإنسان ، والحيوان ، والنبات ، والبحار ، والنجوم ، والجبال ، كمن لا يقدر على خلق
هامش
( 1 ) البيتان للمجنون . ينظر : ديوانه ص 106 ، ونسب للعباس بن الأحنف في ديوانه ص 168 ، تخليص الشواهد ص 6141 الدرر 1 / 30 ، شرح التصريح 1 / 133 ، المقاصد النحوية 1 / 431 ، أوضح المسالك 1 / 147 ، شرح الأشموني 1 / 69 ، شرح ابن عقيل ص 80 ، 81 ، العيني 1 / 431 ، الهمع 1 / 91 ، الدر المصون 4 / 319 . ( 2 ) ينظر : الكشاف 2 / 599 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 36 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب