وعن يعقوب بن سفيان قال : إنّ عليا عليه السّلام أمّر عبد اللّه بن جعفر في صفّين « 1 » . ولمّا قدم معاوية المدينة سنة خمسين تلقّاه الناس ، فلمّا استقرّ في منزله أرسل إلى عبد اللّه بن عباس وعبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب ، وإلى عبد اللّه بن عمر ، وإلى عبد اللّه بن الزبير ، وأمر حاجبه أن لا يأذن لأحد من الناس حتّى يخرج هؤلاء النفر ، فلمّا جلسوا تكلّم معاوية . . . إلى أن قال : أمّا بعد ، فإنّي قد كبر سنّي ، ووهن عظمي ، وقرب أجلي ، وأوشكت أن أدعى فأجيب ، وقد رأيت أن أستخلف عليكم بعدي يزيد ، ورأيته لكم رضى ، وأنتم عبادلة قريش وخيارها ، وأبناء خيارها ، ولم يمنعني أن أحضر حسنا وحسينا إلّا أنّهما أولاد أبيهما علي ، على حسن رأيي فيهما ، وشديد محبّتي لهما . . .
فتكلّم كلّ منهم بكلام ، وتكلّم عبد اللّه بن جعفر فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : أمّا بعد ؛ فإنّ هذه الخلافة إن أخذ فيها بالقرآن فأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب اللّه ، وإن أخذ فيها بسنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله فأولو رسول اللّه ، وإن أخذ فيها بسنّة الشيخين : أبي بكر وعمر فأيّ الناس أفضل وأكمل وأحقّ بهذا الأمر من آل الرسول ؟ وأيم اللّه ، لو ولّوه بعد نبيّهم لوضعوا الأمر موضعه لحقّه وصدقه ، ولأطيع الرحمن وعصي الشيطان ، وما اختلف في الأمة سيفان ، فاتّق اللّه يا معاوية ، فإنّك قد صرت راعيا ، ونحن رعية ، فانظر لرعيتك فإنّك مسؤول عنها غدا . وأمّا ما ذكرت من ابني عمي وتركك أن تحضرهما ، فو اللّه ما أصبت الحقّ ، ولا يجوز لك ذلك إلّا بهم ، وإنّك لتعلم أنّهما معدن العلم والكرم ، فقل أو دع « 2 » .
وكان عبد اللّه بن جعفر كلّ سنة يفد على معاوية فيعطيه ألف ألف درهم ، ويقضي له مائة حاجة « 3 » . وكتب معاوية لعبد اللّه يدعوه لبيعة يزيد : « فإن بايعت تشكر ، وإن تأب تجبر » فكتب إليه عبد اللّه : « أمّا بعد ، فقد جاءني كتابك ، وفهمت ما ذكرت فيه من أثرتك
هامش
( 1 ) . تهذيب التهذيب 5 : 150 .
( 2 ) . الإمامة والسياسة 1 : 194 ، 195 .
( 3 ) . تهذيب تاريخ دمشق 7 : 330 .