فإنّ عرض القفاء وعظم الرّأس ( 1 ) بالإفراط ممّا يستدلّ - به على البلاهة فهو ( 2 ) - ملزوم لها بحسب الاعتقاد ( 3 ) ، لكن في الانتقال منه إلى البلاهة نوع خفاء لا يطّلع ( 4 ) عليه كلّ أحد ، وليس ( 4 ) الخفاء بسبب كثرة الوسائط والانتقال حتّى تكون بعيدة .
شرح
( 1 ) أي عطف عظم الرّأس على عرض القفا من عطف اللّازم على الملزوم ، لأنّه مثال آخر .
( 2 ) أي فما ذكر من عرض القفا وعظم الرّأس بالإفراط ملزوم للبلاهة ، والبلاهة لازمة له .
( 3 ) أي الاعتقاد الحاصل للعرف بالتّجربة وعلم القيافة ، فمعنى العبارة حينئذ فعرض القفاء وعظم الرّأس ملزوم للبلاهة عند من له اعتقاد في ملزوميّته للبليد .
لا يقال : إنّ من له اعتقاد باللّزوم لا خفاء بالنّسبة إليه ، ومن لا اعتقاد له لا كناية بالنّسبة إليه ، إذ لا يفهم المراد أصلا ، فجعل الكناية في المثال خفيّة في غير محلّه .
فإنّه يقال :
إنّه لا يلزم من اعتقاد اللّزوم حضوره حال الخطاب ، إذ يجوز أن يكون بعض المعاني المخزونة يدرك لزومها بمطلق الالتفاف ، فلا تخفى الكناية عنها على المتكلّم عند إيجادها ، ولا تخفى على السّامع عند سماعها .
ويجوز أن يكون إدراك لزومها يحتاج إلى تصفّح المعاني والدّلالة بالقرائن الخفيّة ، فيحتاج المتكلّم في إيجادها إلى تأمّل ، والسّامع في فهمها إلى رويّة وفكر ، وما هنا من هذا القبيل .
ومن هنا يعلم اعتقاد لزوم البلادة لعرض القفا ، ليس مشاركا بين النّاس ، بل قد يخصّ به واحد دون آخر ، إذ لا سبيل إليه إلّا بعد التّأمل .
( 4 ) أي لا يدركه كلّ أحد وإنّما يدركه من أعمل فكرته ورويّته حتّى اطّلع على الملزوميّة واعتقدها .
( 5 ) هذا دفع لما يتوهّم من قوله : « لا يطّلع عليه كلّ أحد » من - أنّ ذلك قد يكون بسبب وجود كثرة الوسائط .
وحاصل الدّفع :
أنّه ليس الخفاء بسبب كثرة الوسائط حتّى - تكون الكناية بعيدة .