تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دروس في البلاغة ( شرح مختصر المعاني للتفتازاني ) — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
وقول الحماسي : ]
[ وننكر إن شئنا على النّاس قولهم * ولا ينكرون القول حين نقول ( 1 ) ]
يصف رياستهم ونفاذ حكمهم ، أي نحن نغيّر ما نريد ( 2 ) من قول غيرنا وأحد لا يجسر على الاعتراض علينا ، فالآية إيجاز بالنّسبة إلى البيت ، وإنّما قال : يقرب ( 3 ) ، لأنّ ما ( 4 ) في الآية يشمل كلّ فعل ، والبيت مختصّ بالقول ، فالكلامان لا يتساويان في أصل المعنى ، بل ( 5 ) كلام اللّه سبحانه وتعالى أجلّ وأعلى ، وكيف لا واللّه أعلم ( 6 ) . تمّ الفنّ الأوّل بعون اللّه وتوفيقه ، وإيّاه أسأل في إتمام الفنّين الآخرين هداية طريقه .
شرح
( 1 ) « ننكر » متكلّم مع الغير من الإنكار ، بمعنى عدم القبول ، « شئنا » متكلّم مع الغير من المشيّة ، والمعنى : نحن ننكر إن أردنا على النّاس قولهم ، ولا يقدرون أن ينكروا أقوالنا أصلا ، يصف الشّاعر رئاستهم ، ونفاذ حكمهم ، ورجوع النّاس في المهمّات إلى رأيهم . والشّاهد في هذا البيت : كونه أكثر حروفا من الآية مع كونه قريبا منها في المعنى . ( 2 ) أي نحن نتجاسر على غيرنا ، ونردّ قوله ، بحيث لا ينفذ ولو لم يظهر موجب لتغييرنا ، وذلك لتمام رئاستنا وحكمنا عليهم . ( 3 ) أي ولو لم يقل : ومنه قوله تعالى ، وقوله : « لأنّ » علّة لمحذوف ، أي لعدم تساوي الآية والبيت في تمام أصل المعنى . ( 4 ) أي لأنّ ما في الآيةلا يُسْئَلُ عَمَّامصدريّة ، أي لا يسأل عن فعله ، والمراد بالفعل ما يشمل القول بدليل قوله بعد ذلك ، والبيت مختصّ بالقول ، فاندفع ما يقال : إذا كان البيت قاصرا على القول ، والآية قاصرة على الفعل فلا قرب بينهما . ( 5 ) إضراب على ما يتوهّم من قربهما في المعنى من اتّفاقهما في العلو والبلاغة ، وإنّما كان كلام اللّه المذكور أبلغ ، لأنّ الموجود في الآية نفي السّؤال ، وفي البيت نفي الإنكار ، ونفي السّؤال أبلغ لأنّه إذا كان لا ينكر ، ولو بلفظ السّؤال ، فكيف ينكر جهارا ، بخلاف الإنكار ، فقد يكون هو المتروك دون الإنكار . ( 6 ) أي كيف لا يكون كلام اللّه أجلّ وأعلى من غيره ، والحال أنّ اللّه أعلم بكلّ شيء ، ومن شان العالم الحكيم أن يأتي بالشّيء على أبلغ وجه . تمّ الفنّ الأوّل بعون اللّه وتوفيقه ، وإيّاه أسأل في إتمام الفنّين الآخرين هداية طريقه .