تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دروس في البلاغة ( شرح مختصر المعاني للتفتازاني ) — صفحة 407

مساهمون:

ص٤٠٧
ومن العجائب أنّ السّكّاكي إنّما ارتكب في مثل رجل جاءني ذلك الوجه البعيد لئلّا يكون المبتدأ نكرة محضة ، وبعضهم يزعم أنّه عند السّكّاكي بدل مقدّم لا مبتدأ وانّ الجملة فعليّة لا اسميّة ، ويتمسّك في ذلك بتلويحات بعيدة من كلام السّكّاكي ، وبما وقع من السّهو للشّارح العلّامة في مثل زيد قام ، وعمرو قعد ، إنّ المرفوع يحتمل أن يكون بدلا مقدّما ، ولا يلتفت إلى تصريحاته بامتناع تقديم التّوابع حتّى قال الشّارح العلّامة في هذا المقام أنّ الفاعل هو الّذي لا يتقدّم بوجه ما . وأمّا التّوابع فتحتمل التّقديم على طريق الفسخ ، وهو أن يفسخ كونه تابعا ويقدّم ، وأمّا لا على طريق الفسخ فيمتنع تقديمها أيضا لاستحالة تقديم التّابع على المتبوع من حيث هو تابع فافهم . [ ثمّ لا نسلّم ( 1 ) امتناع أن يراد بالمهرّ شرّ لا خير ] كيف ( 2 ) وقد قال الشّيخ عبد القاهر قدّم شّرّ ، لأنّ المعنى أنّ الّذي أهرّ من جنس الشّرّ لا من جنس الخير .
شرح
كون المسند إليه مؤخّرا في الأصل على أنّه فاعل معنى ، ويفهم منه أنّه لا سبب للتّخصيص سوى اعتبار التّقديم في المنكّر ، وحاصل الرّدّ : إنّ التّخصيص لا ينحصر بذلك الوجه البعيد . ( 1 ) هذا الكلام من المصنّف ردّ لما ادّعاه السّكّاكي من انتفاء تخصيص الجنس في نحو شرّ أهرّ ذا ناب . وملخّص الرّدّ : إنّ الهرير هو عبارة عن مطلق صوت الكلب ، والكلب يصوت تارة للشّرّ ، وأخرى للخير ، إلّا أن يقال : بأنّ المهرّ لا يكون إلّا شرّا ، فالحقّ حينئذ مع السّكّاكي ، ويمكن الجمع بين القولين بأنّ المراد من الهرير إن كان هو النّباح الغير المعتاد ، فلا يصحّ تخصيص الجنس لأنّه من علامات الشّرّ ، ولا خير فيه أصلا ، وإن كان المراد مطلق الصّوت يصحّ تخصيص الجنس . ( 2 ) أي كيف يكون تخصيص الجنس ممنوعا « وقد قال الشّيخ عبد القاهر قدّم شرّ ، لأنّ المعنى أنّ الّذي أهرّ من جنس الشّرّ لا من جنس الخير » وهذا الكلام منه صريح في تخصيص الجنس ، فيمكن أن يكون المهرّ خيرا بالنّسبة إلى صاحب الكلب لا بالنّسبة إلى الكلب نفسه . هذا تمام الكلام في الجزء الأوّل من كتابنا ( دروس في البلاغة ) ويليه الجزء الثّاني إن شاء اللّه .