تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دروس في البلاغة ( شرح مختصر المعاني للتفتازاني ) — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
[ خاليّ الذّهن ( 1 ) من الحكم والتّردّد فيه ] أي ( 2 ) لا يكون عالما بوقوع النّسبة أو لا وقوعها ولا متردّدا في أنّ النّسبة هل ( 3 ) هي واقعة أم لا ؟ وبهذا ( 4 ) تبيّن فساد ما قيل :
شرح

[ كيفيّة خطاب المخاطب الخاليّ الذّهن ]

( 1 ) ظاهر كلامه حيث اقتصر على الحكم أنّ تجريد الكلام عن التّأكيد يختصّ بما إذا كان المخاطب خاليّ الذّهن من الحكم فقط ، وأمّا إذا كان خاليّ الذّهن عن لازمه ، فلا ينبغي التّجريد بل يؤكّد ، إلّا أنّ مقصود المصنّف هو خلوّ الذّهن عن الحكم ولازمه معا ، وإنّما ترك الثّاني للعلم به بالمقايسة ، ثمّ المراد بالحكم الإذعان بالوقوع أو اللّا وقوع ، ومن الضّمير في قوله : « والتردّد فيه » هو نفس الوقوع على نحو الاستخدام ، وهو أن يكون للّفظ معنيان وأريد منه أحدهما ، ومن ضميره الآخر . ( 2 ) إشارة إلى معنى خلوّ ذهن المخاطب من الحكم ، وهو أن لا يكون الحكم حاصلا في ذهنه ، وحصوله فيه إنّما هو الإذعان به فيكون المعنى خاليا عن الإذعان ، ثمّ الخلوّ عن الإذعان لا يستلزم الخلوّ عن التّردّد ، لأنّ الإذعان والتردّد متنافيان ، فالخلوّ عن أحدهما لا يستلزم الخلوّ عن الآخر . فظهر فساد ما سبق إلى بعض الأوهام ، ويكون مبنى هذا الوهم عدم التّنبّه لمعنى الخلوّ عن الحكم ، وسيأتي في كلام الشّارح ، فانتظر . ( 3 ) قد قرّر في علم النّحو : أنّه يمتنع أن يؤتى بهل بمعادل ، لأنّها موضوعة لطلب التّصديق ، والإتيان بالمعادل خروجها عن طلب التّصديق إلى طلب التّصوّر ، فهذا التّركيب من الشّارح إمّا مبنيّ على ما ذهب إليه ابن مالك من أنّ ( هل ) قد تقع موضع همزة ، فيؤتى لها بمعادل مثلها مستدلّا بقول النّبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ( هل تزوّجت بكرا أم ثيّبا ) أو مبنيّ على جعل ( أم ) هنا منقطعة بمعنى بل ، فيكون المعنى « ولا متردّدا في أنّ النّسبة هل هي واقعة أم لا » بل أليست واقعة ، فحينئذ لا يكون لها معادل ، بل الكلام في الحقيقة مشتمل على انتقال من استفهام إلى استفهام آخر ، فالمتردّد كأنّه يظنّ أوّلا أنّ النّسبة واقعة فيستفهم عنها ، ثمّ يدركه ظنّ آخر بأنّها لم تقع ، فيستفهم من عدمها ، كما في المفصّل للمرحوم الشّيخ موسى البامياني مع اختصار منّا . ( 4 ) أي بهذا المعنى الّذي ذكره الشّارح للحكم « تبيّن فساد ما قيل : إنّ الخلوّ عن الحكم يستلزم الخلوّ عن التّردّد فيه فلا حاجة إلى ذكر التّردّد . ووجه الفساد : أنّ خلوّ الذّهن عن الحكم بمعنى الإذعان لا يستلزم خلوّه عن التّردّد ، لأنّهما متنافيان .