تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دروس في البلاغة ( شرح مختصر المعاني للتفتازاني ) — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
وجود الشّيء منزلة عدمه كثير ، منه قوله تعالى :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
« 1 » ( 1 ) [ فينبغي ] أي ( 2 ) إذا كان قصد المخبر بخبره إفادة المخاطب ، ينبغي [ أن يقتصر من التّركيب على قدر الحاجة ] حذرا ( 3 ) عن اللّغو [ فإن كان ( 4 ) ] المخاطب
شرح
( 1 ) روي أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لمّا التقى الجمعان يوم بدر - رمى بقبضة من الحصى إلى وجوه المشركين ، وقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم شاهدت الوجوه ، فلم يبق مشرك إلّا شغل بعينه فانهزموا فنزلت هذه الآية المباركة . ووجه تنزيل الرّمي الصّادر عنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم منزلة عدمه : أنّ أثر ذلك الرّمي لمّا لم يكن ممّا يترتّب على فعل البشر عادة ، جعل الرّمي الصّادر عنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم صورة كأنّه غير صادر عنه حقيقة ، بل صدر عن اللّه تعالى ، وإثبات الرّمي له صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من جهة النّظر إلى أنّه صدر منه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم صورة ، فلا تناقض في الآية ، لأنّ النّفي باعتبار الحقيقة ، والإثبات باعتبار الصّورة . فالمتحصّل من الجميع أنّ التّنزيل على ثلاثة أقسام : الأوّل : تنزيل المخاطب العالم منزلة الجاهل كقولك لتارك الصّلاة : الصّلاة واجبة . الثّاني : تنزيل العلم منزلة الجهل كقوله تعالى :وَلَقَدْ عَلِمُوا. والثّالث : تنزيل وجود الشّيء منزلة عدمه كقوله تعالى :وَما رَمَيْتَ. ( 2 ) أي التّفسير المذكور إشارة إلى أنّ الفاء في قوله : « فينبغي » للتّفريع ، أي إذا كان المخبر بخبره قاصدا إفادة المخاطب ، فيجب عليه « أن يقتصر من التّركيب على قدر الحاجة » وإلّا كان مخطئا بحسب الصّناعة ، فإنّ الزّيادة في الكلام لغو ، بل ربّما موجب لفوات المقصود ، قوله : « أي إذا كان . . . » إشارة إلى أنّ الفاء في قوله : « ينبغي » جواب شرط محذوف . ( 3 ) علّة لقوله : « أن يقتصر » أي يقتصر المتكلّم على قدر الحاجة حذرا عن اللّغو الكائن في الكلام على تقدير الزّيادة ، ثمّ المراد من « قدر الحاجة » يحتمل أن يكون مقدار حاجة المخبر في إفادة الحكم ولازمه ويحتمل أن يكون مقدار حاجة المخاطب في استفادتهما . ( 4 ) تفصيل لما أجمله بقوله : « فينبغي أن يقتصر » بالبناء للفاعل أو المفعول .
هامش
( 1 ) سورة الأنفال : 17 .